غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

أمريكا هي الطاعون

د. محمد مشتهى.jpg
كتب: د. محمد مشتهى

المتتبع لكل المبادرات السياسية التي صاغتها أمريكا منذ 1948 حتى يومنا هذا كانت كلها أسوأ من بعض، والمبادرة التي تأتي تلعن التي قبلها، ومن المُستغرب أن يكتشف البعض فجأة أن الإسرائيلي والأمريكي هم أعداء للشعب الفلسطيني، فأمريكا لم تكن وسيط في يوم من الأيام بل هي متماهية مع "الإسرائيلي"، حتى في الحرب والمعارك دوما الأمريكي يحارب مع "الإسرائيلي" كما حدث في حرب أكتوبر 1973 وعملية "عشب من النيكل" وإمداد "الاسرائيلي" ب 22225 طن من الذخيرة والمدفعية والدبابات عبر جسر جوي مفتوح خوفا من انهيار القوات الصهيونية آنذاك، وكما قال الشاعر محمود درويش: أمريكا هي الطاعون والطاعون هو أمريكا، لذلك الذي يتوقع أن أمريكا ستحل له قضاياه الوطنية وتعطيه دولة هو بذلك كمن يتوقع أن يجد الإبرة الضائعة في قلب المحيط.

يُخطئ الكثير من الفلسطينيين باعتبار أمريكا وسيط أو اعتبارها حتى على الحياد، ما جرى تاريخيا ويجري حتى اللحظة من دعم أمريكي للكيان الصهيوني يؤكد للجميع بأنها عدو للشعب الفلسطيني، وعندما يتم تصنيف أمريكا بأنها عدو مطلوب عدم محاباتها أو اعتبارها وسيط بل مواجهتها، تماما كما المرض عندما يتم تشخيصه مطلوب مواجهته إما بالعلاج أو بالجراحة، أو على الأقل عندما تُعرِّف أن أمريكا كوباء كورونا مثلا، مطلوب أن تأخذ الاحتياطات الوقائية منها لا أن تعتبرها هي العلاج، وهناك فرق بين العلاج والوباء، بالضبط كما يحدث عند الدول التي تصنِّف دولا أخرى إلى أصدقاء وحلفاء والى أعداء ثم تأخذ موقفاً من الأصدقاء وموقفاً من الأعداء وموقفاً من الحلفاء، والطامة أن هناك بعض الفلسطينيين لا تزال الأمور مختلطة عندهم والمواقف متشابكة وتصنيف الدول لديهم مضروب، وعلى سبيل المثال لا يكفي أن تقول أن الدولة تلك هي عدو، بل ماذا فعلت لمواجهة هذا العدو؟ أمَّا أن تكون تارة مع العدو وتارة أخرى ضده فهذه سياسة مشوّهة، قد يقول البعض وهل مطلوب من الفلسطيني محاربة أمريكا؟! هنا لا يُقصد بأن يتم محاربتها بالرصاص والسكين، لكن على الأقل محاربتها في السياسة، على الأقل عدم محاباتها، بمعنى أن يتم حسم الرهان عليها.

الحركة الصهيونية منذ أن تأسست ليومنا هذا وهي لديها حليف خارجي، والدول التي تحررت من استعمارها كان لديها حليف أو حلفاء خارجيون، نحن الفلسطينيون من هم حلفاؤنا؟!

هناك من يقول أن أمريكا لديها إزدواجية في المعايير، تلك لغة أقرب إلى السذاجة السياسية وهي أيضا لغة مضحكة، فهل يعتقد هؤلاء أن أمريكا ستُعامل حماس والجهاد الاسلامي أو حزب الله أو ايران كما ستُعامل "اسرائيل"؟!! قطعا لا، إذن الأصل أن تكون إزدواجية في المعايير عند كل دولة وليس فقط عند أمريكا، فلا يوجد دولة تعامل كل الدول بمعيار واحد، حتى الفصائل الفلسطينية لديها إزدواجية في المعايير، حتى على مستوى الفرد والأسرة والعائلة يوجد ازدواجية في المعايير، وهذا أمر طبيعي جدا أن يكون أكثر من معيار عند الدول، اذن من يراهن على الأمريكي بأن يصبح لديه  معيار واحد، أو يُعاير الأمريكي أن لديه معيارين تجاه الفلسطيني والصهيوني هذا إنسان لا يعرف أبجديات السياسة، لذلك مطلوب مغادرة هذه اللغة غير المفهومة.

من المُحزن هو عدم استجابة الفلسطيني لحجم التحدي والتردد في تحالفاته والتأخر في تصنيف الأصدقاء والأعداء، فمثلاً: لا يختلف أحد على دعم إيران المالي والعسكري والسياسي للمقاومة الفلسطينية، لكن هناك تردد لدى الكثيرون باعتبارها حليف أو صديق، ونجد البعض يذهب ليحمِّل إيران "جَمَايل" عند قولهم لها مرحبا أو شكرا، وتلك أبعد درجات التعاسة السياسية، ف"اسرائيل" تقول لحليفتها أمريكا خذي ما تريدين بالسياسة والأمن والاقتصاد، وأمريكا في المقابل تقول لها لبيك " اسرائيل"، لذلك تحالفهما لا يزال يسير على ما يرام، ثم يأتي البعض ليشعر بالحزن لأن أمريكا تتعامل بازدواجية في المعايير، صح النوم!!

في السياسة مطلوب مغادرة كل الأوهام والرهانات الخاسرة، وهنا  يُقصد بالأوهام الموجودة في عقول البعض ممن يأملون من "الاسرائيلي" العطايا والهبات.

الانسان الذي يحلم أن يصبح مهندس أو طبيب "مثلا"، هناك خطوات يجب أن يفعلها كأن يجتهد ويحصل على معدل في الثانوية يؤهله لدخول الكلية ثم يجتهد وينجح بدراسته حتى يصبح مهندسا أو طبيبا، وان من يريد أن يحرر أرضه هناك خطوات كل العالم الذي تحرر من الاستعمار قام بها، ومن أهم تلك الخطوات هو القيام بالتحالفات وتحديد الصديق من العدو ثم ترجمة ذلك على أرض الواقع، ومن غير المقبول القول: لا أستطيع، فمن لا يضحي لأجل وطنه فهو لا يستحقه ومن لا يضحي لأجل حريته هو لا يستحقها، والتحالفات المطلوبة يحب أن تكون على المستوى الوطني وعلى مستوى الاقليم وعلى المستوى الدولي، والمخاطر المحدقة بالقضية الفلسطينية هي فرصة لإعادة تشكيل الوضع الفلسطيني وترتيب البيت الداخلي، وان كل ما سبق بحاجة إلى قيادات من طراز رفيع قادرة على العطاء في الأوقات والأماكن الصحيحة والمناسبة، وليس بحاجة الى قيادات لديها عنتريات تتَّبع سياسة تحميل "الجَمَايل"، لأننا نحن الفلسطينيون أكثر الناس بحاجة إلى المساعدة ولا يجوز أن نبقى منشغلين بتبرير تحالفاتنا.