قائمة الموقع

من دون إصلاح جذري ليست الممثل الشرعي والوحيد

2022-02-11T10:47:00+02:00
منظمة التحرير.jpeg
بقلم/ أسامة أبو أرشيد

نبقى نرقص حول الحقيقة وندندن عنها، ولكننا جميعاً، فصائل فلسطينية، مسلحة وغير مسلحة، ورموزاً نضالية وشعبية، ونشطاء سياسيين وأكاديميين وإعلاميين، نجبن عن قولها كما هي: منظمة التحرير الفلسطينية، في صيغتها القائمة منذ عقود ثلاثة خلت، على الأقل، ليست الممثل الشرعي ولا الوحيد للشعب الفلسطيني، بل هي مُختطفة من قلة، متنفذة ومقامرة، لا شرعية لها، حصادها نزوات وفشل وتواطؤ مع الاحتلال الإسرائيلي. هذه هي الحقيقة، تجرّأنا على البوح بها أم كتمناها. فلسطين مغتصبة من مشروع أبارتهايد صهيوني، كولونيالي إحلالي مجرم، وحق شعبها وآماله وتطلعاته مختطفون من عصابة سطت على واحد من أكبر فصيلين فلسطينيين. والحديث هنا عن حركة فتح. أعلم أن هذه الدرجة من الصراحة في القول والتعبير لن تُعجب كثيرين، حتى ممن يؤيدون ما أقول، ولكن الأمر ما عاد يحتمل محاولات الاسترضاء والتزلّف. نحن أمام عبث لا يتوقف بقضيتنا، وحقنا، وحق أجيالنا. متى سنقولها؟ ومتى سنجرؤ على سماعها والسماح بنقاشها بجدية؟

اجتماع المجلس المركزي الفلسطيني أخيرا في رام الله، والذي أصر عليه محمود عبّاس، ضارباً عرض الحائط بالتحفظات والمعارضة، من داخل "فتح" ومن خارجها، لم يكن في سبيل "تطوير وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية، وحماية المشروع الوطني، والمقاومة الشعبية"، كما حمل عنوان دورته الواحدة والثلاثين. كلنا يعرف ذلك، بل يمثل عنوان الاجتماع بحد ذاته استهزاء بنا واستخفافاً بأفهامنا. الحقيقة، أن عباس، الذي بلغ من العمر عتياً (86 عاماً)، يريد أن يضمن أن أسلوب حكمه الكارثيِّ سيبقى معنى حتى بعد أن يمضي إلى عالم البرزخ! إننا، نحن الفلسطينيين، نُوَرَّثُ ونحن أحياء، كأننا عبيد! إنه يظن نفسه "ربنا الأعلى"، منطقه "لا أريكم إلا ما أرى"، ومن ثمَّ فهو مصرّ، ويبدو أنه سينجح في ذلك إن لم نتحرّك، على تَبْليعِنا، رغماً عنا، خلفاءه، الذين سيسيرون على سراب دربه في تدمير قضيتنا ونقض طموحاتنا وتطلعاتنا للحرية والانعتاق. هو لا يريد أن يرحم فلسطين وشعبها حياً ولا ميتاً. وحركة فتح أعجز الآن من أن تتصدّى له ولزمرته في غياب رموزها الوطنيين وتغييبهم، أمثال الأسير القائد، مروان البرغوثي. وعلى الرغم من ذلك، ليس هذا شأن "فتح" وحدها، فليتصارعوا على النفوذ داخل فصيلهم كما يريدون، ولكن ليس لهم حق تأبيد سطوتهم ومشكلاتهم على قضيتنا وعلينا أبد الدهر.

فلسطين مغتصبة من مشروع أبارتهايد صهيوني، كولونيالي إحلالي مجرم، وحق شعبها وآماله مختطفون من عصابة سطت على واحد من أكبر فصيلين فلسطينيين، وأعني هنا حركة فتح

دلائل اتهاماتي كثيرة، بل هي دامغة. منها، أن أربعة فصائل من فصائل المنظمة: الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والمبادرة الوطنية الفلسطينية، والجبهة الشعبية - القيادة العامة، وطلائع حزب التحرير الشعبية، رفضت هذه الدورة وقاطعتها، مسوّغة ذلك بأن الدعوة للاجتماع جرت من "دون توافق وطني". ومنها، إقدام قيادات وعناصر في "الجبهة الديمقراطية" على تقديم استقالاتهم منها احتجاجاً على مشاركتها، بعد حصولها على رشوةٍ تمثلت في استئناف مخصّصاتها المالية المعلقة بقرار من عبّاس، كما حظيت بمنصب أحد نائبي رئيس المجلس الوطني. ومنها أن حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وهما من خارج فصائل المنظمة، وأكثر حضوراً منهم أصلاً، باستثناء "فتح"، لم تشاركا.

ليس هذا فحسب، فدورة "تطوير وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية، وحماية المشروع الوطني، والمقاومة الشعبية"، لم تحدّثنا عن مصير اتفاقات فلسطينية – فلسطينية، لا تعد ولا تحصى، منذ عام 2005، لتطوير منظمة التحرير وتفعيلها، وطبعاً لن تجد جواباً عن سؤال: ما الذي يجعل وعود هذه الدورة مختلفة؟ دع عنك السؤال عن مصير انتخابات المجلس التشريعي، التي كان عليها توافق فصائلي، بما في ذلك فتحاوي وحمساوي، إلا أن عبّاس ألغاها بقرار تنفيذي منه العام الماضي. ودع عنك، كذلك، أحاديث "المصالحة الوطنية"، التي أطل علينا عبّاس عبر دورة المجلس المركزي هذه ليبشّرنا إنه يريد "إنهاءً فورياً للانقسام الداخلي في إطار الالتزام بالشرعية الدولية"! كيف يكون ذلك وهو اختطف الجمل بما حمل! أما اشتراط "الشرعية الدولية" أرضية للمصالحة فتلك قضية أخرى.

منظمة التحرير كلها اليوم، في صيغتها الحالية، غير شرعية ولا تمثلنا

الأهم والأخطر هنا يتمثل في نوعية الشخصيات التي صَعَّدَها عباس لتقود المشهد الفلسطيني بعده. وزير "الشؤون المدنية" وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح، حسين الشيخ، أصبح أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير. بمعنى، أنه قد يكون خليفة عبّاس، تلقائياً، في قيادة المنظمة والسلطة الفلسطينية و"فتح"، في حال غيابه أو عجزه عن ممارسة دوره. رئيس مجلس إدارة صندوق الاستثمار الفلسطيني (الصندوق السيادي)، محمد مصطفى، حلَّ بديلاً عن حنان عشراوي التي قدّمت استقالتها في ديسمبر/ كانون الأول الماضي. عضو اللجنة المركزية لـ"فتح"، روحي فتوح، عيّن رئيساً للمجلس الوطني الفلسطيني. يُعرف هؤلاء الثلاثة بأنهم رجال عبّاس لا يخرجون عن طوعه ولا يعصون له أمراً، وهذا ما رفع أسهمهم عنده، لا كفاءاتهم ولا نضالهم، وبالتالي تَلْبيسُ الشعب الفلسطيني هذه الكارثة! لكل واحد من هؤلاء خوارم وطنية يعلمها القاصي والداني، ولكن هذا ليس مكان التفصيل فيها.

المفارقة، أن صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية كانت نشرت في 24 من الشهر الماضي (يناير/ كانون الثاني) تقريراً أن عبّاس يبدو وكأنه حسم أمره في توريث منصبه السياسي، رئيسا، للشيخ، في حين تذهب المسؤوليات الأمنية لرئيس جهاز المخابرات العامة، ماجد فرج. أما مؤهلات الرجلين حسب الصحيفة، فكانت: هما "نوع من الفلسطينيين يمكن للإسرائيليين والأميركيين" العمل معهما. كلاهما يجمعهما العداء لـ "حماس". من أكبر المؤيدين "للتنسيق الأمني" مع إسرائيل. ولأنهما كذلك، حسب الصحيفة، فإن عبّاس حريص على حضورهما اجتماعاته مع الإسرائيليين والأميركيين لتسويقهما أكثر، ومن ذلك كان اللقاء أخيرا بين الشيخ ووزير الخارجية الإسرائيلي، يئير لبيد. ألم يكن لافتاً، في خضم اجتماعات المجلس المركزي، الثلاثاء الماضي، اغتيال قوات صهيونية ثلاثة من مناضلي كتائب شهداء الأقصى، الجناح العسكري لحركة فتح، جهاراً نهاراً في نابلس، وأجهزة أمن السلطة غائبة، إن لم تكن متواطئة، كما تؤكد تقارير إسرائيلية؟

لم يعد أمامنا إلا أن نبدأ العمل على تشكيل مجلس وطني شرعي معبر عن الكل الفلسطيني، يضع نصب عينيه استخلاص منظمة التحرير المُختطفة

عندما أعلنت أسماء بعض الذين تمَّ تعيينهم لشغر مقاعد في المجلس المركزي، اتصل بي صديقان فلسطينيان أميركيان، من أكثر الناس عملاً وإنتاجاً وعلاقات مؤثرة في الولايات المتحدة. تحدّثا بكثير من الدهشة والاستهجان عن نوعية بعض هؤلاء. كانت نصيحتي أن لا نرهق أنفسنا في مسار نقاش شروط الاختيار والتعيين ومعاييرهما، فمنظمة التحرير كلها اليوم، في صيغتها الحالية، غير شرعية ولا تمثلنا، ولأن العصبة المُختطفة لها تعلم ذلك، فهي لا تبحث عن كفاءات ورصيد نضالي، بل عن دمى مبرمجة على التصفيق والبصم فقط.

لقد تجاوزنا مرحلة الإقرار بالحقائق، بعد أن تأخرنا كثيراً في ذلك، ولم يعد أمامنا الآن إلا أن نبدأ العمل على تشكيل مجلس وطني شرعي معبر عن الكل الفلسطيني، يضع نصب عينيه استخلاص منظمة التحرير المُختطفة. يوم الأربعاء الماضي، أصدرت كل من "حماس" و"الجبهة الشعبية" بياناً أعلنتا فيه عن دعوة فورية "إلى البدء بحوار وطني جاد على مستوى الأمناء العامين للاتفاق على تشكيل مجلس وطني انتقالي جديد يضم الجميع ويمهد لإجراء الانتخابات الشاملة، ما يساهم سريعاً في إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية وتفعيل مؤسساتها باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج". نرجو أن تكون هناك إرادة حقيقية لتفعيل هذه الدعوة، بمشاركة الجميع، بمن فيهم شرفاء "فتح"، وهم كثيرون، وأن يسيروا على خطى حركة فتح بعد هزيمة يونيو / حزيران 1967، عندما رفعت شعار "استبدال ثوار المكاتب بقادة الكفاح المسلح". كانت النتيجة، حينها إطاحة أحمد الشقيري، وتسلم "فتح"، ومعها فصائل المقاومة الأخرى، زمام الأمور في منظمة التحرير وتجديد شرعيتها. هل يفعلها الفلسطينيون مرة أخرى ويجدّدون شرعية المنظمة عبر استنقاذها ممن حولوا فلسطين عزبة، وشعبها متاعاً يُوَرَّثُ، وسلطتها ذراعاً إسرائيلياً بغرض تأبيد احتلالها فلسطين؟ إنها مهمة تاريخية، إن فشلنا فيها سنحمل عارها.

اخبار ذات صلة