غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

أبكى مسناً وأحيا معاقاً

المسحراتي إسماعيل وفرقته يضيئون عتمة الليل ويبددون هدوءه بالمديح النبوي

المسحراتي.jpg
شمس نيوز - مطر الزق

نسمات الهواء المنعشة تلامس أجسادهم، وأصواتهم الندية تضيف إلى جانب هدوء الليل وسكينته السعادة والفرح، والسرور لكل من سمعهم، أو يترقب انتظارهم، ستة أصدقاء يجمعهم هدف واحد؛ لينالوا الأجر والثواب من الله- تعالى.

ما أن تُشير الساعة إلى الثالثة فجرًا من كل يوم، حتى يطرق إسماعيل الحافي، ومحمود القمصان، وياسر الشطلي، الدف بصورة متقنة ومميزة، ثوانٍ قليلة وتبدأ الأصوات الندية للثلاثي علاء عياد، ومحمد الهور، ومحمد دخان، لترتفع ألحانهم تدريجيًا؛ لتجذب جميع من سمع ذبذبات الأصوات الجميلة للنزول إلى الحارات، والطرقات، لمشاهدة ما يجري.

"مسحراتي بنادي كل دار بدار، من هيبتك يا نبي باض الحمام بالغار، والورد ورد مهما ذبل تلاقى عطر الفرح فيه، وإن جار على الزمن اتروح لـ"مطر" تلاقي طبع الكرم فيه"، هذا جزء يسيرٌ مما يردده إسماعيل وأصدقاؤه طيلة أيام شهر رمضان المبارك.

إسماعيل الحافي يمارس مهنة المسحراتي منذ 12 عامًا متواصلة؛ إيماناً منه ببركة وأهمية السحور للصائمين؛ عملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "تسحروا؛ فإن في السحور بركة".

فرقة المسحراتي.jpg
 

إسماعيل وأصدقاؤه من مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، يتنقلون طيلة أيام شهر رمضان المبارك قبل آذان الفجر بين أحياء المخيم، وفي كثير من الأيام ينتقلون إلى مدن أخرى بناءً على طلب أو دعوة من الناس، سواء في مدينة رفح، أو حي الشجاعية، أو بيت حانون؛ لممارسة مهنة المسحراتي.

يستخدم إسماعيل وأصدقاؤه لتنبيه الناس فجرًا، الطبلة والدف، مستعينين بأصواتهم الندية التي لاقت استحسان الكثيرين، حيث ينشدون بصوت واحد: "لبعت مكاتبي والأيام تفنيهي، واقعد على الطريق ملقى الى ويديها .. بالله يا كاتب الأحرف ترجملي معانيها، يخسارة يا محمد على الليالي الى الفارق فيها، شباني على رجال صامو وصلوا .. فردو سجاجيدهم على الموج ما ابتلوا .. في أول الليل يا محمد حلوا شعروهم حلوا .. وفي آخر الليل في حرم النبي صلوا".

فرقة إسماعيل هي واحدة من خمس فرق في مخيم النصيرات، أخذوا على عاتقهم ممارسة مهنة المسحراتي في قطاع غزة، ويقول إسماعيل لـ"شمس نيوز": " في الماضي كان هناك مسحراتي واحد فقط هو من يخرج في الليل لينبه الناس للسحور؛ لكن اليوم هناك مجموعات متكاملة تجمعهم صحبة وصداقة يُمارسون هذه المهنة بكل حب وقناعة".

ويضيف إسماعيل: "في مخيم النصيرات هناك خمس فرق تمارس مهنة المسحراتي؛ لإيقاظ الناس قبل أذان الفجر، وتبدأ تلك الفرق عملها في تمام الساعة الثالثة فجرًا بالمديح النبوي، ثم المناداة على الناس بأسمائهم".

المسحراتي في غزة.jpg
 

في كل فرقة هناك منشدون ذوو كفاءة عالية ومميزة جدًا، وأصواتهم ندية لاقت استحسان الناس، ويُشير إسماعيل إلى أن فرقته تملك "أصوات مميزة جدًا، حيث صوت المنشد المميز علاء عياد، والمنشدان محمد دخان، ومحمد الهور".

إسماعيل يمارس مهنة المسحراتي منذ 12 عامًا، أما علاء عياد فهو يمارس المهنة منذ عشرات الأعوام، حيث ورثها عن آبائه وأجداده.

وعن المعوقات التي تواجه فرقته قال: "لا يوجد معوقات كثيرة سوى عدم توفر زي مخصص للمسحراتي، حيث نخرج بملابس عادية، وبعضنا يخرج بملابس مكتوب عليها شعار مشجعي نادي خدمات النصيرات".

وعن تناول السحور أوضح إسماعيل أن الناس لا يقصرون مطلقًا، "عندما يقترب موعد آذان الفجر، تخرج الناس من بيوتها؛ ليقدموا لنا السحور، وفي أيام أخرى نتلقى دعوة لتناول السحور داخل البيوت، وهذا الأمر يسعدنا كثيرًا"

مشهدان مبكيان

ويروي إسماعيل لـ "شمس نيوز" بعض المشاهد التي لا زالت عالقة في ذهنه رغم حدوثها منذ أعوام عدة، فهناك مشهدان مؤثران، وقع الأول في مدينة رفح منذ 8 أعوام، أما المشهد الآخر وقع في حي الشجاعية قبل 3 أعوام.

في غمرة الاندماج بالمناداة على الناس في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، وأثناء تجول إسماعيل وفرقته في الأحياء والطرقات استوقفهم رجل كبير السن يبكي بكاءً حارًا، وعندما سألوه عن السبب قال: "طوال حياتي وأنا أتمنى سماع صوت المسحراتي، وأراه بأم عيني، فالحمد لله تحققت امنيتي"

هذا المشهد المبكي أدخل الفرحة والسرور على قلب إسماعيل وفرقته الذين مارسوا طقوسهم على عاتقهم الشخصي، ودون أي تمويل من أحد.

قبل ثلاثة أعوام، وصلت رسالة لأحد المنشدين عبر الماسنجر، تدعوه لتلبية طلب طفل من ذوي الاعاقة لرؤية المسحراتي والاستماع إلى أصواتهم، وعلى الفور تم تلبية طلبه؛ لكن دون أن يعلم بذلك.

كانت الساعة الثالثة فجرًا، حينما سألنا عن بيت الطفل، وعندما وصلنا إلى المكان، وبدأنا المناداة عليه وعلى أهله بشكل مفاجئ، هرول الأب حاملًا الطفل على كرسيه المتحرك وقلبه ينبض فرحًا، عينا الطفل تبكيان، ويكاد يقفز عن كرسيه المتحرك؛ فرحًا بوجودنا، وتلبية لطلبه.

أعظم ما سمعناه في ذلك الموقف -وفقًا لإسماعيل- قول الأب لهم: "لقد رفعتم معنويات الطفل وجعلتموه يضحك ويبكي فرحًا لأول مرة منذ سنوات، حفظكم الله ورعاكم، وأدام أصواتكم الجميلة وعملكم الصالح"

يؤكد إسماعيل أن مهنة المسحراتي لم تعد فقط لتنبيه الناس ودفعهم لتناول السحور؛ امتثالًا لقول النبي "تسحروا فإن في السحور بركة" إنما أصبحت مهنة لتوثيق أواصر التكافل الاجتماعي، وخدمة الأسر بالحب والحياة.

ويعود تاريخ مهنة المسحراتي التي ارتبطت بشهر رمضان المبارك إلى العصور الإسلامية الأولى، وتذكر بعض المصادر أنها تعود إلى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ إذ كان بلال بن رباح أول مسحراتي في التاريخ الإسلامي، يجوب الشوارع والطرقات لإيقاظ الناس للسحور بصوته العذب طوال ليالي رمضان، ومنذ ذلك التاريخ أصبح "المسحراتي" مهنة رمضانية أصيلة.