قائمة الموقع

بالصور ما وراء العقل المدبر لعمليات الجهاد العسكرية.. قلبُ أبٍ مرهف الحس

2022-06-06T12:43:00+03:00
الدكتور رمضان شلح وعائلته.jpeg
شمس نيوز - وكالات

قبل عامين، وبالتحديد في السادس من حزيران/ يونيو عام 2020 نشرت ياسمين عبر إنستغرام: "وبعد أن كان ممنوعًا أن أنشر صورته احترامًا لخصوصيته بصفته قائدًا سياسيًّا، وحفاظًا على أمنه وسلامته وحياته.. اليوم ولأول مرة في حياتي، لم أعد أخاف عليك من الأذى والموت أو حتى المرض.. الآن أنت في أمان منهم بجوار القوي الحفيظ".

فياسمين قبل هذه اللحظة كان مفروضًا عليها ألا تعرّف عن نفسها، وإن سألها أحدهم: ما وظيفة والدك؟ ترد: "تاجر".

في الذكرى السنوية الثانية لوفاة الأمين العام السابق لحركة الجهاد الإسلامي د. رمضان عبد الله شلّح -في إثر إصابته بمرض ٍعضال- تحاور عائلته في أول حديث إعلامي لها، لتعرف منها ملامح بسيطة جدًا عن الوجه الإنساني له، بعيدًا عن عالم السياسة والاقتصاد ومقارعة الاحتلال في شتى الميادين، فكيف كان صاحب الدور الجامع والمحتضن للشعب الفلسطيني على اختلاف أطيافه مع أسرته؟

ياسمين (30 عامًا) وهي طفلة كانت تفهم آنذاك أن هناك وحوشًا شريرة تلاحق والدها، كما لو أنها تتابع فيلم رسوم متحركة، والدها هو بطل الخير فيه، وعليها المشاركة في حمايته.

لكن ماذا عن ياسمين العروس؟ تقول: "قدر الله أن تزوجت مواطنًا تركيًا، أقمت حفل زفاف صغيرا في سوريا ليحضره والدي، لكن الحفل الرئيس كان في تركيا.. بعيدًا جدًا عنه، لم يزفني هو لزوجي"، فكانت الليلة التي تسبق الزفاف ليلة ألم اعتصر قلبها، وتوقفت قليلًا عن الحديث علها تغالب دموعها.

تابعت بصوت مختنق: "زاد حزني بعد أن لمحت أحد الحضور المقربين منه؛ ممسكًا بهاتفه ويجمعني به عبر تطبيقات الاتصال"؛ فلو كان الأمر بيدها لتركت من حولها، وجمعت شملها به هو فقط!

الانتقال المتكرر.. فرصة للتغيير

من ياسمين.. ننتقل إلى والدتها مها عبد الكريم نصار (أم عبد الله) (58 عامًا)، تقول لـ"فلسطين": علاقة قرابة تجمع والدي ووالدته، فوالدي كان يعمل مهندسًا في الكويت، وكانت والدته ترسل الهدايا معه لشقيقة لها في الكويت، وعندما قرر الزواج، حدثته عني، وتزوجنا.

وانتقلت للعيش معه في بريطانيا، وبعدها انتقل ليدير مركز دراسات الإسلام والعالم "wise" في أمريكا ويشرف على إصدار مجلة تتناول مواضيع سياسية واقتصادية إلى جانب عقد الندوات والمحاضرات، وانتقلت معه، غير مهتمة أبدًا لأي معاناة يسببها السفر المتكرر والانتقال، بل احتسبتها نوعا من التغيير ورؤية بلاد أخرى وأناس وثقافات متجددة.

في بريطانيا وأمريكا، كان يشارك زوجته الاهتمام بالأطفال، وشراء ما يحتاجون إليه، والخروج معهم في نزهات سريعة، غير أن أم عبد الله اضطرت أن تفارق هذه المشاركة بحلول عام 1995 بعد اغتيال الاحتلال الإسرائيلي الأمين العام السابق فتحي الشقاقي، وانتقال الأمانة العامة بالانتخاب لـ د. رمضان شلّح، وانتقالهم للعيش في سوريا.

فكل أعباء الحياة على اختلافها أصبحت على عاتق الزوجة، إضافة لمتابعة الأبناء، فإذا ما طلبت منه مثلا الفصل بين الأولاد في شجار، يقول: ألا يكفي أنهم يعيشون حياة غير طبيعية بسببي، لا أريد ترك ذكرى سيئة.

فتحدق في وجهه باهتة وتتمتم في سرها: "أما أنا من العادي أن أكون أمهم الغولة"، لكنه يعوضها في يوم الأم، بالاتفاق مع الأولاد، على إحضار الكيك والهدايا لها، ويشدد عليهم أن وقفتها بجانبه هي التي صنعت منهم ما وصلوا إليه.

إلغاء الدراسة.. مكرمة ربانية

في حين يتحدث عبد الله (29 عامًا) عن أكثر المواقف التي تأثر بها، فهو اضطر لإكمال دراسته في دولة ما بالتنسيق مع والده، والجامعة التي التحق بها فيها مساقٌ دراسي يحتم عليه الانتقال لدولة أخرى.

هذه الدولة الأخرى – وفق عبد الله – لا يوجد بينها وبين حركة الجهاد أي اتفاقيات، فاستشار والده هل يذهب؟ فطلب منه بدايةً العدول عن الذهاب، خشية عليه من أي مكروه، ثم عاد وأخبره أن القرار متروك له.

يتابع: "في هذا العام بالذات، قررت إدارة الجامعة إلغاء السفر"، كأنها كانت مكرمة ربانية ألا يشعر والده أنه حجر عثرة في طريقه، كما وصف الحدث.

أما حنين (27 عامًا) التي درست الإدارة بعد اتفاقها معه، فإذا تذمرت من مادة ما، يطلب منها إحضار الكتاب ليشرح لها، وهي من الأوقات القليلة التي كانت تنتشي فيها حنين فرحًا، أن خصص لها والدها وقتًا لها وحدها! تستذكر حنين رحلة مع عائلتها إلى مصر، وكان لوالدها عملٌ هناك، ولا يجمعهم به مكان إقامة واحد؛ لظروف أمنية، أخبروه بنيتهم زيارة أحد المولات حديث الافتتاح، وعن رغبتهم في مشاركته لهم بزيارته، فلم يكن منه إلا أن انسل من بين حراسته دون إخبار أحد، واصطحب معه شخصين فقط، واستقل سيارة أجرة ليجرب شعور المواطن العادي.

في المول، قضى نهارًا كاملاً بعيدًا عن ضغط العمل السياسي، متحررًا لوهلة من قيود الأمن والرقابة، سعدت عائلته كثيرًا بهذه اللحظة التي قلما استطاع أن يقوم بها معهم، وإن تكررت فهي تكون في أماكن مخصصة وفق تعليمات أمنية مشددة جدًا.

استجمعت حنين أنفاسها قليلًا بعد لحظة بكاء، وتابعت: في الأوراق الرسمية فقط مثلًا التسجيل للمدرسة أو الجامعة يمكن لنا أن نكتب اسمنا الحقيقي، وكنّا نلفظ اسم العائلة دون تشديد حرف اللام. بينما إذا ما أرادوا التسجيل لدورة أو فصل تعليمي أو زيارة طبيب فإن أي اسم مستعار يكون هو سيد الموقف، حتى لا يكون الأبناء وسيلة للوصول السهل للأب.

كان لحنين حظها أن يكتب لها شعرًا بعد نجاحها في امتحانات الثانوية العامة، فهو شاعر مخضرم، ورسّام بارع، وكاتب مقالات محنك، ولطوله الفائق فهو لاعب كرة سلة محترف، وقارئ نهم في كل المجالات على اختلافها.

العمل والبيت.. مكانٌ واحد

ولحساسية الوضع الأمني الخاص به، حرص أن يكون مقر عمله في البناية حيث يقطن، فطابق للعمل، وآخر للمنزل، غير أن جُلّ وقته قضاه في طابق العمل، وفي أوقات كثيرة، فرضت عليه الحالة الأمنية ألا يرى الشارع مطلقًا، فكان حبيس التبديل بين طابقين! تقول أم عبد الله: مع بداية الحجر المنزلي بسبب فيروس كورونا، عرفنا مقدار المعاناة التي كان يعانيها، وهو ليس قادرًا على مغادرة المنزل ليرى الشارع ويتجول فيه بحرية.

تركت دموعها تكمل عنها: كنت أفضل البقاء في المنزل حال وجوده، وأترك كل مشاريعي الخاصة لوقت هو مسافرٌ فيه؛ لأنه يعز عليّ أن أرفه عن نفسي وهو هناك في البيت معزول! وتوضح أنه كان يحاول تعويض الأولاد قدر استطاعته، برواية القصص، ويحكي لهم مغامراته في الدراسة بمصر، والعمل في الأراضي المحتلة عام 1948م في أثناء الصيف ليوفر مصروفه الشخصي، ومصاريفه الدراسية. تضيف: ولا ينسى أنه كان قائدًا لمخيمات كشفية في غزة فيبدع معهم في عمل المسابقات والفوازير والأسئلة، لافتة إلى أن له طريقة في الحديث مقنعة جدًا، ويناقش بالمنطق والعقل، فمن يحاول محاورته وهو يعتقد أنه سيفوز بالنقاش، يقتنع بوجهة نظره مباشرة. قلبُ أبٍ مرهف الحس أما محمد (21 عامًا) آخر العنقود، فحساسية وضع والده منعته حضور اجتماعات أولياء الأمور، وزيارته في المدرسة والتعارف مع أساتذته.

ويقول محمد: مادة "القومية" –تشابه التربية الوطنية والحياتية في فلسطين-، لم أكن أفهمها، فاستفسرت منه كيف أدرسها، فما كان منه إلا أن أخذ الكتاب وفهم محتواها، وأجلسني ليشرحها لي بطريقة القصة، ففهمتها! ويذكر تعذر مشاركتهم في إحياء صلاة العيد لسبب ما، فجهز لهم ركنًا في البيت، وجمعهم لتأدية الصلاة ثم خطب فيهم، ولم يكن يترك فرصة لإمامتهم في صلاة التراويح إلا وكان يغتنمها.

محمد.. لم تكن والدته بجواره في أثناء تقديمه امتحانات الثانوية العامة، فلم توصله كإخوته للامتحان، فأخذت حنين هنا دور الأم لوهلة، أما أم عبد الله فقلبها كان معه واستودعته ربها، وكانت هي بجوار الأب الذي اشتد عليه المرض. القائد رمضان شلح وأمه تعود دفة الحوار لأم عبد الله، فتروي حدثًا يدل على كم الحس المرهف الذي يمتاز به الراحل أبو عبد الله، الرجل الذي كان يخطط لحركة كاملة سياسيًا وعسكريًا، كان قلبه مرهف الحس، وفق قولها.

فمرة كان عبد الله يلعب مع ياسمين، فشُجّ رأس الصغير من الخلف، وسالت الدماء؛ نهضت لتنقله للمشفى، وفي أثناء تجهيزها له، تفاجأت بزوجها يفقد وعيه لدقائق قليلة من شدة خوفه وتأثره لما أصاب طفله. وتحكي موقفًا آخر أن أبا عبد الله اعتاد على احتفاء أبنائه به في ذكرى مولده السنوية في الفاتح من يناير، لكن يوم ميلاده في عام 2018، في بداية متابعته الحالة الصحية له في لبنان في إثر إصابته بمرض عضال، نظر باتجاه زوجته –والحديث لها– وسألها إن كان هناك خطط للأولاد هذا العام؟ فأجابته بالنفي، ولكن يمكن محادثتهم عبر الهاتف، فرفض، وطالبها بتجهيز نفسها للانتقال إلى سوريا لمفاجأة الأولاد ويحتفل هو بهم لتكون آخر مرة، قبل تدهور حالته الصحية وعدم مقدرته على مشاركتهم حياتهم اليومية.

ما بعد الوداع.. دفن الجثمان

ماذا عن اللحظات الأخيرة في حياته؟ تقول: مع بداية شهر يونيو طرأ تدهور خطير على حالته الصحية، أدخل في إثره العناية المركزة لخمسة أيام متواصلة، وقبيل الوفاة بدقائق تركته لأداء صلاة العشاء، ليردني اتصال من العناية يخبرني أن الله تسلم أمانته.

ففي العاشرة مساءً، يوم السبت الموافق 6-6-2020 أعلن الأطباء أن معاناته مع المرض انتهت، ليتوقف قلبه عن الاستجابة، وهنا توقف قلب أم عبد الله وعقلها عن التفكير، ولظروف ما، لم يكن الدفن متاحًا في لبنان، فكانت الوجهة سوريا.

فارقت الجثمان، وتركته في المستشفى، وسارعت تجمع ما يمكن لها جمعه من مستلزمات في منزلها، لتنتقل صباح اليوم التالي مع الجثمان إلى سوريا، لتجد أحدًا من عائلتها يواسيها أو يطبطب عليها وجعها! تواصلت أطراف عدة مع العائلة، لرغبتهم بدفن الجثمان في قطاع غزة مسقط رأسه، لم يكن بداية هناك أي اعتراض، لكن الموافقة على نقله إلى القطاع جاءت قبيل أداء صلاة الجنازة عليه.

وتوضح أن إجراءات نقل الجثمان إلى قطاع غزة كانت ستستغرق ثلاثة أيام، فاختارت أسرته بمشورة قيادة الحركة أن إكرام الميت دفنه، والجثمان تيسر سيره سريعًا جدًا إلى مقبرة الشهداء -مقبرة الفلسطينيين في مخيم اليرموك في العاصمة السورية دمشق- لتحتضنه، فووري في الثرى بجوار رفيق دربه الشهيد فتحي الشقاقي، إلى جانب ثلة من الشهداء.

رحل أبو عبد الله إلى بارئه، بعد معاناة كان فيها يواسي زوجته أن أرهقها معه في رحلة العلاج الطويلة.. رحل تاركًا وجعًا بداخلها، هل أوفته جزءًا مما قدمه هو؟ وتسأل نفسها: كيف له أن يطلب السماح، وكل عمري أفديه به؟ كيف؟

تقرير/ أسماء هشام صرصور

لصحيفة فلسطين

اخبار ذات صلة