قائمة الموقع

الشقاقي شامخًا على طول الزمان والمكان

2022-10-24T15:03:00+03:00
د. جميل عليان
بقلم/ د. جميل عليان

سبعة وعشرون عامًا مرت على استشهاد المعلم والمؤسس لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين في نهاية سبعينات القرن الماضي د. فتحي الشقاقي ولازال إخوانه وأبناؤه بل كل شعبنا وأمتنا يبصرونه مشروعًا وطنيًا واعيًا طاهرًا صادقًا مقاتلًا يتحرك في كل مكان، في الأقصى وغزة وجنين ونابلس وطولكرم والخليل ورام الله وبيت لحم والقدس والنقب والمثلث، بل يراقبون خطاه في بيروت ودمشق واليمن والعراق وطهران.

من أراد أن يقرأ فلسطين التاريخ والواقع والقرآن، فلسطين بوابة الحرية والاستقلال والنهضة والوحدة والأمن لكل العالم، فلسطين انتصار تمام الحق على تمام الباطل فعليه بقراءة الشهيد أبا إبراهيم الشقاقي.

نحن أمام نموذج لقائد وطني عروبي إسلامي قلّ تكراره في تاريخ أمتنا وشعبنا المعاصر، إن الشهيد قائدًا يقظًا واعيًا ومهمومًا زادته المؤامرة على فلسطين والأمة توهجًا ووعيًا وثورة ولم يغادره اليقين للحظة واحدة بنصر الله وبشعبه وأمته على الرغم من حالة التيه والانحراف التي ضربت منطقتنا من أقصاها إلى أقصاها وهروب معظم مكونات النظام العربي عن فلسطين إضافة إلى منسوب وحجم العلو والاستكبار الصهيوغربي في فلسطين والمنطقة.

كان يؤمن أن ربط مصيره ومصير كل الأمة بفلسطين هو واجب شرعي وفرض عين من أجل الدفاع عن تاريخ وحاضر ومستقبل الأمة ومكونها الثقافي الإسلامي وتجاوز أزمة التحدي الغربي الحديث وتحقيق المصالحة الحقيقية بين كل مكونات الأمة من طنجة إلى جاكرتا وإجهاض كل محاولات الغرب المجرم لتقسيم وتجزيئ ونشر الفتن وجنون القتل بين هذه المكونات.

نجح الشهيد الدكتور فتحي رحمه الله في ربط فلسطين بالإسلام وبالجهاد وزرع هذه المعادلة المهمة في وعي الأمة ومثقفيها وسياسييها وفصائل المقاومة في فلسطين والمنطقة، كما أكد أنك لا تستطيع الاقتراب من فلسطين بدون أن ترتبط بمعادلة الإسلام وفلسطين والجهاد ربطًا لا يفصمه إلا الموت، كما جعل من قضية فلسطين القضية المركزية للأمة بعدما حاول الأعداء دفعنا إلى جبال تورا بورا وغيرها من العواصم ليذبح بعضنا بعضًا.

لم يتردد لحظة واحدة في زرع ثقافة القتال وممارسة المواجهة ضد العدو الصهيوني منذ لحظة الانطلاق الأولى وبعد عودته إلى قطاع غزة في بداية الثمانينات، وكان يصرخ في الجميع أن قلة الإمكان وعلو الأعداء لا يمكن أن يؤجل واجب المواجهة فالواجب عنده فوق الإمكان متدبرًا وعاقلًا الآية "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله مع المحسنين"، ومؤكدًا للعالم أجمع ولشعبنا على وجه الخصوص أننا نهضنا من أجل قتال العدو وما دون ذلك هوامش، كان يؤكد باستمرار أن الوعي واجب وضرورة حتمية لمواصلة مشروع التحرر وهزيمة المشروع الصهيوني.

كانت أفكاره واضحة كالشمس وحادة كالسيف ترفض تعاريج اللغة وضبابية المصطلح ولم يداهن أو يركن لإرضاء أي دولة أو فئة أو شخص وقام بنشر أفكار الحركة منذ اللحظات الأولى وكانت مجلة المختار الإسلامي والنور الإلهي والطليعة وما أمكن من المساجد شاهدة حية على وضوح الفكرة وصوابية الطريق مما دفع بالكثير من أبناء شعبنا خاصة المثقفين منهم والمهمومين وطنيًا أن يتلقفوا هذه الأفكار ويلاحقوا رموزها في كل مكان للاستزادة والوعي. كان يقول أن النظام العربي هو الوجه الآخر للهجمة الغربية على عالمنا العربي والإسلامي ويدفع ثمن ذلك بدون تردد، وكان يهاجم انحراف م. ت. ف بدون مجاملات بينما كانت المنظمة قديسة الفلسطينيين، كما كان يلتقي مع إيران الثورة الإسلامية سياسيًا وهو يعلم ضريبة ذلك من النظام العربي ومن الحركة الإسلامية.

إن ما نراه اليوم من القوة الفلسطينية المباركة في غزة وهذه الثورة التي تتمدد كل يوم في الضفة والـ 48 والكتائب التي تنتشر في طول فلسطين وعرضها وأيضًا القوى والدول التي تربط سياستها بل ومصيرها بفلسطين من لبنان حتى اليمن تمثل التجسيد الحي والحقيقي للمشروع الجهادي الذي أسسه وعمل له الشقاقي طوال عمره والذي لم يتجاوز 44 عامًا. إن ثقافة المقاومة التي تشكل اليوم الناظم الرئيس لتفكير الفلسطينيين وعلاقاتهم الداخلية بل بات الفلسطيني الذي لا يكون أسيرًا أو جريحًا أو مرتبطًا عائليًا بشهيد يشعر بالحرج والذنب.

كان يؤمن رحمه الله أن الجماهير هي السلاح الأهم والأقوى بل والأكثر صوابية في مشروع الجهاد والمقاومة وهي أداة التغيير والانتصار فكان يبذل أقصى الجهد لدفع الجماهير لقيادة المشروع الوطني مخالفًا عمليًا من سبقوه على الساحة الفلسطينية، لتتوج هذه الأفكار والجهد الكبير بأطول وأطهر انتفاضة في فلسطين "انتفاضة الحجارة".

كان جوهر أفكار الشهيد وحركة الجهاد إيقاظ روح الأمة وتحرر العقل ومنع الأمة من الابتعاد عن فلسطين ومنعها من التخلي عن دورها الحضاري والتاريخي والتمسك بالرواية الفلسطينية الأصيلة وإذابة جليد الخلافات بين مكونات الأمة كمقدمة للمصالحة الضرورية بين كل مكونات الأمة لتتمكن من مواجهة كل هذا الاصطفاف الغربي والصهيوني ضد الأمة وفلسطين.

كان مسكونًا دومًا بالثقة واليقين أننا سننتصر ونهزم هذا المشروع الصهيوني وأننا بالقرآن والبندقية سنبيد الدولة العبرية، اعتقل 4 مرات فكان يزداد إصرارًا ويزرع فكرته في كل مكان وفشلوا في كسره فأبعدوه إلى لبنان 1988م لكنه نجح في توسيع دائرة الجهاد وأسس في الإبعاد حالة من المقاومة تجاوزت حدود فلسطين، ونجح أيضًا في تحريض كل الأمة على القتال والحضور في فلسطين فكان الخيار الثالث والأخير والأرعن بالاغتيال ليزهر دمه ثورة على امتداد الجغرافيا "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله وهو خير الماكرين".

اخبار ذات صلة