غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

بلا مساحيق.. الشاهد والشهيد

الدكتور المؤسس فتحي الشقاقي.jpg
بقلم / د. أسعد جودة

في الذكرى ال ٢٧ لاستشهاد د. فتحي الشقاقي.

هذا الشهيد السعيد البطل ، في الزمن الإستثنائي و المكان الإستثنائي وفي مواجهة العدو الإستثنائي ، كان يجسد بحق رجل بأمة.

كان يرحمه الله حاد الذكاء ، قوي الشكيمة ، صاحب قيم عليا ورجلا ذا إرادة صلبة فولاذية ، جذبته الناصرية بشعاراتها القومية في صباه، وسرعان ما تغيرت الصورة عنده بعد هزيمة عام ١٩٦٧م المدوية والساحقة ، وإستقطبته الحركة الإسلامية بحفاظها على الشعائر والقيم الإسلامية في مجتمع يموج بالعواصف والتيارات الفكرية المتصارعة كالعلمانية والشيوعية ، إلا أن عقله المتوهج بعشق فلسطين وموقعها في عقله ظل همه وشغله الشاغل، حتى تفرد ومثل حالة تجديدية داخل الفكر الإسلامي

"بدأ يتساءل ويطرح إجابات حول كيف يمكن أن يفهم الإسلام بعلومه وفقهه من خلال رؤية منهجيه تستخدم الأدوات المعرفية والتاريخ.

ويرى أن مسالة تحرير فلسطين هي مسألة مشروع ينظم إمكانية الأمة ويرد على حرب العدو الشاملة بحرب ثقافية وفكرية واقتصادية وأمنية وعسكرية ، ويبقى دور المجاهدين في فلسطين هو إحياء فريضة الجهاد ضد العدو ومشاغلته واستنزاف طاقته وكشف وجهه البشع، وتدمير ما يستطيعون من قدراته، وإدامة الصراع حيًا حتى وحدة الأمة وتحقيق النصر، والتصدي لمؤامرة تصفية القضية التي يؤججها الغرب.

خلص إلى استنتاج أن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للأمة في مواجهة مشروع الاستعمار الغربي، والتي تمثل فلسطين قلب وروح هذا المشروع ، حينما تم استبدلها بإسرائيل.

إذًا ستكون فلسطين في عقل وقلب وروح المشروع الإسلامي ، عند قتل وتفكيك المشروع الصهيوني وزوال اسرائيل.

فلسطين في عقله قلب العرب، وقلب المسلمين، ومركز الصراع الكوني بين تمام الحق وتمام الباطل.

إستدرك الشهيد مبكراً أيضا أن المشروع العربي الرسمي يتخلى تدريجًا عن فلسطين بإلقاء الحمل الثقيل على كاهل منظمة التحرير الفلسطينية، حين اعتبرتها ممثلاً شرعيًا ووحيدًا في العام ١٩٧٤م حينما أقرت منظمة التحرير البرنامج المرحلي ذى العشر نقاط، حتى تتصرف بمفردها ويكون التنازل عن فلسطين فلسطينيًا خالصا.

كان الراحل د. الشقاقي يؤمن ويردد بأن الإسلام هو خيار الأمة وهويتها، وهو القادر على بعثها وإحيائها وإخراجها من غابة النظام الدولي، وهو القادر على تحقيق وحدتها واستقلالها ونهضتها، هذه هي المسالة الأساسية التي أجادل حولها.

أما أخطاء الإسلاميين قلت أو كثرت ، اقترنت بهذا الفريق منهم أو لم تقترن ، فهذه مسألة نضال مستمر في سياق عملية تاريخية لا تتوقف ، ونحن نعيش مخاضًا عسيرًا سينتهي بالتأكيد إلى خطاب إسلامي يقدم وعيًا مطابقًا للعالم يشخصه بدقة، ويقدم إجابات مقنعة لأزمة المنطقة ، إن لم يكن لأزمة العالم.

الصراع مع التحالف الغربي ـ الصهيوني يمس كينونة الأمة ووجودها وهويتها وحقها التاريخي في وطنها وبلادها وقرارها المستقل.

فأوقدوا نار الشوك والثورة والمقاومة في كل مكان؛ إذ لن تتحرر فلسطين حتى تغدو الأرض كلها (فلسطين) ساحة حرب ضد الطاغوت الدولي في كل أبعاده.

"لقد نهضنا لقتال العدو وما دون ذلك هوامش"

ويؤكد دومًا: "نحن أمة لا حياة لنا خارج مسيرة الدم والشهادة".

انتقل الشهيد د. الشقاقي من حالة التأمل والتبصر إلى العمل والبناء، فأسس مع إخوانه اللبنة الأولى لتنظيم إسلامي جهادي وطني يحمل كل هذه الرؤىٰ لتترجم واقعًا عمليًا بعد كل هذه المخاضات الفكرية والاستقطابات أثناء دراسته للطب في مصر .

حين عودته إلى غزة في عام ١٩٨١م بدأ يمارس هو وإخوانه التبشير بولادة هذه الحركة التي أخذت على عاتقها مع أطياف أخرى في التفكير في نقل مركز الثقل والمقاومة الفلسطينية من الخارج إلى الداخل، وتزامن ذلك بعد خروج منظمة التحرير من لبنان بعد حرب العام ١٩٨٢م وتوزيع مقاتليها على الدول العربية في الشتات.

بدأت حالة التثوير والتمرد والعصيان، وتم إحياء دور المساجد في التعبئة والاستقطابات والتحشيد، ولم تغب القدس عن عقلة فحرص على التواجد عبر فرصة عمل في مستشفى المطلع؛ ليظل قريبًا من ساحة ال٤٨ والضفة والقدس، واشتدت حالة المنافسة في آوساط الإسلاميين وغير الإسلاميين ، وصولاً إلى الانتفاضة العملاقة عام ١٩٨٧م والتي كان لشباب الجهاد الإسلامي فيها دوراً بارزاً، خصوصا بعد عملية الشجاعية التي نفذها مجاهدون نفذوا أكبر عملية هروب من سجن غزة المركزى آنذاك، والتي استثمرت لاحقًا بثمن بخس باتفاق أوسلو البائس بين الكيان الصهيوني ومنظمة التحرير العام ١٩٩٣م في واشنطن برعاية الولايات المتحدة ودعم كوني.

في تلك المرحلة وبعد مضي عام تم إبعاد الشهيد العام ١٩٨٨م من السجن الى لبنان ، لم يثنِهِ بل ساهم في تصليب حركته وعنفوانه وإرادته

ورأى الشهيد د. الشقاقي أن هذا الإتفاق "قفزة فى الهواء" وأنه مناقض لحقائق التاريخ ولن يجلب إلا دمارًا للقضية والشعب وأكد أن هذه الأرض أرضنا، ولن يكون توقيعاً هزيلا مسوغاً أو فرماناً لتغيير حقائق التاريخ، ونتصرف كما نحن وكأن هذا الإتفاق غير موجود ولا يلزمنا بشيء.

وبدأت مرحلة جديدة من الصراع ولا سيما بعدما أخذت السلطة على عاتقها وقف المقاومة، ازدات حدة التصعيد ودخلت العمليات الاستشهادية والعمليات النوعية في قلب الكيان، وعلى أثر  عملية بيت ليد الازدواجية الشهيرة التي تفذها اثنان من شباب الجهاد الإسلامي والتى قتل فيها ٢٢ جنديًا وجرح ١٠٥ جنود ، اتخذت كل أجهزة دولة الكيان قرارًا باغتيال الدكتور، مما دفع الكيان بكل أركان قيادته الاستخباراتية والشاباك والموساد ورئاسة الحكومة بإتخاذ قرار بتصفيته بعدما توفر الظرف، حيث كان في ليبيا، وأثناء عودته مرورًا بمالطا، وباعتراف العدو أن قواته البحرية والجوية والبرية جميعها ساهمت في تنفيذ الإغتيال ، ظن قادة العدو بإستشهاده أنهم سينهوا حركة الجهاد ولكن هذه الزرعة الصالحة أينعت وحفظها الأمين الراحل د. رمضان عبد الله الأمين المؤتمن الذي كان رفيق درب وكاتم سر ، فبذل الغالي والنفيس ووقف كالضخرة الصماء في تعزيز مكانة الحركة على كل الصعد: العسكرية والأمنية والسياسية والإعلامية، والتوسع والأهم الحفاظ على إرث الحركة المبدئي، ولم تتزحزح عن ثوابتها قيد أنملة، لذا كسبت زخمًا وثقة كبيرة بين أبناء شعبها ومناصريه حتى غدا الراحل د. ابو عبد الله أيقونة العلم والفكر والجهاد.

واليوم على دفة القيادة قائدًا ثوريًا من أشد المقربين للراحلين القائد المميز زياد النخالة أبو طارق يعمل بكل شجاعة وحزم، واليوم بفضل الله وبهذا الإرث الضخم وأمانة الأمناء تتوسع الحركة افقيًا وعموديًا، وما معركة وحدة الساحات وسبقتها سيف القدس، وتفجُّر الوضع المقاوم في الضفة والقدس إلا خير دليل على صوابية الرؤية ووضوح الهدف.

اليوم الحالة الفلسطينية والمشهد وبعد كل هذه المحطات العاصفة وبرغم استمرار العدوانات المتكررة والإغتيالات التي طالت قيادات الصف الأول سواء سياسية أو عسكرية في حماس والجهاد وقوى المقاومة ، واشتداد معسكر الأعداء والتطبيع والهرولة، وبناء الأحلاف الإقتصادية والدينية والأمنية ، إلا أن وحدة قوى المقاومة ووجود حركة حماس وكتائب القسام على رأس حكومة مقاومة في غزة المحررة ومعها كل التنظيمات بأجنحتها العسكرية وغرفة العمليات المشتركة والصمود الأسطوري في صد أربع عدوانات صهيونية والثبات، وعدم قدرة العدو على تحقيق أي من أهدافه في تغيير الواقع على الأرض، والقدرة على إيجاد معادلة توازن رعب، وتطوير أدوات قتالية تمكن المقاومة من فرض حظر التجوال في مدنه ومطاراته، وتعطيل وشل حياته وإبقائه في الملاجئ لأيام، واليوم تنتقل المقاومة المسلحة إلى الضفة وتنتشر بسرعة الهشيم، وتراجع وضع سلطة أوسلو التي توفر لها دعم مأهول لتصفية المقاومة، اليوم لم تعد قادرة ، وأبناؤها رويدا رويدا ينتقلون إلى مواقع العز والفخار.

اليوم غدت المقاومة رقماً مهماً لا يمكن تجاوزها أو القفز عنها، وتجذرت لأنها ظلت متمسكة بالثوابت والمبادىء التي نشأت من أجلها.

ونختم بما قاله شهيدنا أبو ابراهيم "لا تصدقوني إلا حينما ترون دمي على بطني"

صدق الله فصدقه وكان له ما تمنى ، عايشناك أبا إبراهيم عن قرب ولمسنا ذلك ونهلنا منه.

صدقناك حيًا وترحمنا عليك شهيدًا وسرنا على النهج لا نغير ولا نبدل حتى نلقى الله.ش

"جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز".