غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News

خطوات بطيئة نحو إقرار سياسات الحماية

نساءٌ تحت بند الحاجة.. انتهاك خصوصية في جمعيات خيرية

العنف ضد النساء
شمس نيوز - أمل بريكة و شيرين خليفة

لم تتوقع السيدة "س" أن تكون حاجتها سببًا لصفعةٍ تتلقّاها على جبين كرامتها، حين اضطرت لطلب المساعدة من إحدى المؤسسات، فتعرضت لمحاولة تحرّش!

"س" هي أمٌ وزوجة ثلاثينية لرجلٍ أعجزه المرض عن الحركة، تقطن في غرفةٍ داخل منزل العائلة، وتحاول إسناد أسرتها بما تقدر على تحصيله من أهل الخير والجمعيات المختصة، "ولولا أنني حصلت على مساعدة من هذه المؤسسة مسبقًا لما عدت إليها من جديد" تقول لـ"نوى".

تعود السيدة بذاكرتها إلى تفاصيل ذلك اليوم، عندما وقفت مع سكرتيرة مدير تلك الجمعية تشكو حال أسرتها، ليمر هو "شخصيًا" بالمصادفة، ويطلب منها المجيء تمام السابعة من صبيحة اليوم التالي.

تضيف: "شككت بالأمر ولم أذهب، فطلب مني بعدها القدوم يوم سبت ونسيت إنه إجازة رسمية"، فكل ما كان يشغلها الحصول على مساعدة لأسرتها.

تكمل: "حين ذهبت وجدت نفسي وحيدةً معه داخل الجمعية، حاول استدراجي إلى مكتبه لكنني خلّصت نفسي منه بالصراخ، وخرجتُ أنادي الله: الله ينتقم منك، هيك بدك تستغل بنات الناس"، عاود المدير الاتصال بها مراتٍ عدة، ولم يرتدع إلا بعدما هددته بإخبار عائلتها.

المؤلم أن هذا الحادث منعها لاحقًا من اللجوء لأي جمعية خيرية -رغم حاجتها الماسة- وحرمها من حقها في مساعدة عائلتها التي يأكل أحشاءها الجوع والعوز.

بعد بحثٍ وتمحيص، اكتشفت "نوى" أن "س" ليست الوحيدة، التي تعرضت للتحرش في أروقة بعض الجمعيات، وأن النساء اللاتي تعرضن للتحرش -على قلّتهن- يتوارين خلف جدران الخوف والخجل من طرح مشكلاتهن، سواءً كان ما تعرضن له لفظي، أو أبعد من ذلك، وهذا ما دفع إلى فتح هذا الملف، من خلال التحقيق التالي.

وقبل الدخول في التفاصيل، وجب التأكيد على أن هذا التحقيق لا يناقش ظاهرة، بل يسرد وقائع حدثت مع حالات يمكن أن تتواجد في أي مكانٍ في العالم، وأن الغرض منه تقويم العوج، وإصلاح المسار، عبر طرح آليات حل تضمن كرامة النساء، وحقهن في المساعدة، والتعامل المهني معهن وقت طلب العون.

اتصالات ليلية وتحرش لفظي

"م" سيدةٌ أخرى. مطلقة، لكنها مسؤولة عن ثلاثة أطفال بحضانتها، طرقت الكثير من أبواب الجمعيات للحصول على مساعدات من أجل تلبية احتياجات أطفالها، "وكلها كانت تشترط حضورنا جلسات توعوية تنفذها الجمعية أولًا" تقول.

وتضيف: "كان يتواصل لدعوتنا إلى الورشات رجل، ولما كنتُ ألتزم بالحضور، كان يعاود الاتصال بي مرارًا في أوقات متأخرة من الليل! وعندما كنتُ أتجاهل رقمه، يعود إليَّ من رقمٍ آخر".

في لحظةٍ ما فقدت السيدة السيطرة على نفسها، وردت عليه بانفعال مهددة باتخاذ إجراءات تصعيدية ضده لو لم يبتعد عنها. على الهامش: لقد سمعت السيدة من 10 سيدات يقصدن الجمعية لنفس الغرض، أنه تحرش بهن دون أي رادع.

"ب" هي سيدة ثالثة، وزوجة رجل مريض. كانت مضطرة للحصول على المساعدات من أجل علاجه، ولهذا لجأت لطرق المساعدات الخيرية، التي ليس بالضرورة أن يكون الخلل فيها هي.

تقول لـ "نوى": "إحدى الجمعيات قدمت لي بطاقة مساعدة، وكان يفترض أن أصرفها من قبل إحدة محلات السوبرماركت التي تعاقدت معها الجمعية، لكن للأسف ما حدث جعلني أكفر بكل المساعدات، التي والله لولا الحاجة ما طلبتها من أحد".

تشير السيدة إلى أنها تعرض لتحرشٍ لفظي من صاحب السوبرماركت، الذي يفترض أن الجمعية تعاقدت معه "كمؤتمن" على كرامة طالبي المساعدات، "يظن أن ذوات الحاجة مستعدات للتجاوب، وهذا أبعد من أن يحلم به.. انفعلت عليه، وهددته بالشكوى للمؤسسة التي أعطتني القسيمة فتراجع على الفور" تعقب.

عادت السيدة الثلاثينية إلى بيتها، وبحثت عبر هاتفها البسيط تحت عنوان التحرش، وتكمل: "لو كنت أعلم بآلية شكوى لاشتكيت، حدث هذا عام 2019م، ولم أقرب ذلك المحل بعدها، ولا أدري كيف هي الأوضاع الآن فيه".

شهادة رابعة لسيدةٍ مطلقة، تعمل عاملة نظافة في إحدى المؤسسات، ومنتفعة من المساعدات فيها، تقول: "كان يومي يسير طبيعيًا قبل أن يدخل أحد أعضاء مجلس الإدارة المطبخ عندي، ويطلب مني إعداد كوب من القهوة"، فوجئت السيدة بالرجل يقترب منها، ويلمس وجهها، وهنا لم تعرف ماذا عليها أن تفعل؟

تعلق: "صُدمت، أنا لا أستطيع اتخاذ أي إجراء ضده، لأنه سيتم تكذيبي وطردي، فأخسر عملي وأخسر المساعدة، لكنني اكتفيت برفع صوتي مطالبةً إياه بالابتعاد فورًا".

ولـ "ر" التي هجرها زوجها عام 2010م، تاركًا لها سبعة أطفال عادت بهم إلى بيت أهلها كونها كانت تعيش في بيتٍ مُستأجر، قصةٌ أخرى، لم يكن أمامها من أجل توفير لقمة عيشهم سوى اللجوء إلى المؤسسات طلبًا للمساعدة، خاصةً أن وزارة التنمية الاجتماعية -وفق القانون- لا تعتمدها كمستحقة قبل ثلاث سنوات من الهجر.

تقول: "كان يومًا لا يُنسى من أيام عام 2016م، تواجدت آنذاك في مكتب مدير إحدى الجمعيات الخيرية لطلب مساعدة، فإذا به يغير منحى الحديث ليتغزّل بي! ثم تحرك من مكتبه ووضع يده علي، وهنا كاد الدم يهرب من عروقي".

تكمل: "بصقتُ في وجهه، وغادرت المكان مسرعة، لكنني بصراحة لم أقدم شكوى، ولا أعرف شيئًا عن آلية تقديمها، أو الجهة التي يمكن أن أقدمها لها، لكنني اكتفيت بعدم زيارة الجمعيات منذ ذلك الحين".

أما سادس القصص، فحدثت عام 2019م، وهي لسيدة كانت تتلقى خدمة ترميم، إذ كسر المسؤول الحاجز معها عبر المزاح المستمر والاتصال في أوقات مختلفة وغير مناسبة بتاتًا، تقول: "تطور الأمر نحو إرساله رسائل صباحية كونه "يحب الشِعر"، وهنا قررت وضع حدٍ له بأن انفعلت في وجهه وطلبت منه احترام الحدود بيننا، صحيحٌ أنه انقلب ضدي لكن ما حدث هو ما كان يجب أن يحدث".

الرابط بين الحالات التي التقتها معدتا التحقيق "عدم معرفتهن أي شيء عن أنظمة الحماية"، وهذا ما يفتح الباب على مصراعيه للحديث عن "آليات الحماية من التحرش في المؤسسات الأهلية بقطاع غزة"، بغرض تحصين البيئة الداخلية، ورفع مستوى الثقة بين المسؤول والمستفيد، خاصة في ظل الاتجاه الدولي نحو تطوير آليات الحماية.

ووفق بيانات وزارة التنمية الاجتماعية في القطاع، فإن 26 ألف امرأة يتلقين المساعدات كمعيلات رئيسات لأسرهن، فيما تلجأ غالبيتهن للمؤسسات الإنسانية مع وصول معدلات الفقر إلى 56%، وهو ما يزيد أهمية توفير آليات حماية من مخاطر الفساد المبني على النوع الاجتماعي.

الجهل بالآليات

د.مصطفى المصري، استشاري الطب النفسي في جمعية "عايشة" لحماية المرأة والطفل، أكد أن الجمعية تلقت خلال الفترة الماضية "شكويان" لحالتين تعرضتا لتحرش أثناء تلقيهن الخدمة، وصلت إحداهما عبر البريد الإلكتروني وتم عرضهما عليه للاستشارة دون أن يلتقيهما، "وهناك حالات تحرش ظهرت خلال تقديم مساعدات في مراكز الإيواء وقت العدوانات الإسرائيلية، رصدتها أخصائيات لكن دون تبليغ رسمي، فالتبليغ كان للأخصائية وهي تتابع مع مدير الموقع" يقول.

ويضيف: "الناس وقت الأزمات، هم في أمس الحاجة للمساعدة، وهذا يضعهم في حالة ضعف أمام مقدم الخدمة، ويا للأسف فإن بعض النساء ونتيجة الحاجة الكبيرة يمكن أن تستجيب لانحرافات مزود الخدمة الذي يمارس هذا العنف، فتصبح بعدها في حالة نفسية سيئة لقبولها بشيء هي مجبرة عليه بسبب ضعفها، وهذا يفقدها الثقة بنفسها والمجتمع، فتلوم نفسها، وقد تصل لمرحلة اكتئاب، وتلاحقها مشاعر العار والخوف على نفسها وعائلتها، وصولًا إلا إمكانية تعريض نفسها للأذى أو الخطر".

وأكد المصري أن موضوع الحماية حديث، فلم يكن هناك معايير، ولا الناس تعرف أن هناك آليات حماية، أو ضرورة اللجوء لتقديم شكاوى، "ولا حتى الموظفين يملكون فكرة حول أن التبليغ إلزامي على أي زميل يرتكب انتهاكًا من هذا القبيل، حتى لو من دون دليل".

ويستدرك: "لكن مع التدريبات، اتضحت هذه المفاهيم، فالتوعية مهمة للجنسين، والكثير من السيدات لا تعرفن حقوقهن، وهنا نقف أمام احتياج حقيقي لتوعية النساء، وفي المقابل تدريب مزودي الخدمة"، عازيًا غياب البيانات إلى عدم وجود توثيق، "فحين تحدث مشكلة يتم حلها إداريًا، وليس في إطار الحماية وهناك فرق".

وطالب المصري السلطة القائمة، بتوفير الحماية للجميع وقت السلم والحرب، مناديًا بإلزام المؤسسات باتباع معايير وقواعد العمل الإنساني، "وهذا هو الوضع في كل العالم الذي نحن جزء منه، وكل مؤسسة عليها حماية المستفيدين على قوائمها، والسلطة العليا التي نتحدث عنها هنا هي وزارة التنمية الاجتماعية، التي يجب أن تتابع وتوثق وتضع المعايير الواضحة".

هناك حالات

بدوره، يقول أيمن عايش، مدير عام الشؤون العامة والمنظمات غير الحكومية في وزارة الداخلية بغزة: "إن ما ينظم العلاقة بين الوزارة والجمعيات، هو القانون رقم (1) لعام (2000)، ويتضمن موادًا تحكم عمل الجمعيات إداريًا، بالإضافة لبعض المرجعيات القانونية، مثل قانون العقوبات وقانون الضريبة"، واصفًا القانون بـ "العوار"، الذي ينقصه الكثير من المواد المتعلقة بضمانات الحصول على الخدمة بشكل جيد، وغياب الحوكمة، "وهي نقطة غائبة عن القانون تمت معالجتها في سلوكين أوردهما لـ"نوى".

الأول -وفقًا لـ عايش هو حوكمة الأنظمة الداخلية للجمعيات، بتحديد كيفية اختيار المستفيدين وطريقة تقديم الخدمة بما يحفظ كرامتهم، والثاني: جاء لتعويض النقص التشريعي، وغياب سن القوانين من خلال إصدار تعميمات وقرارات تتعامل مع قضايا فرعية، مثل منع تصوير متلقّي الخدمة لما فيه من إساءة لكرامتهم، "وبالفعل تمت إحالة المتجاوزين للقضاء" يقول.

وتابع: "تعكف الوزارة على استقبال شكاوى المواطنين عبر صفحتها ومديرياتها، من أجل المحاسبة والتصويب، مضيفًا: "التدقيق المالي، والرقابة على الجمعيات، أحد أهم مصادر الشكوى عند الالتقاء بمستفيدين، أما شكاوى النساء فلها اعتبارات حساسة لعدم رغبتهن بالإفصاح، والتردد خشية من المجتمع ومن مقدم الخدمة، وهي مخاوف تضعف مستوى الإفصاح".

وأقر بوجود حالات تفيد بتعرض نساء للتحرش، فيتم التقصي، والبحث بخصوصها، مستدركًا: "لكن لا يمكن وصفها أبدًا بالظاهرة، هي حالات نادرة ومعزولة.. أي غير متكررة".

وهنا ينبه إلى عدم إمكانية تحريك أي دعوى جزائية دون شكوى من الطرف المتضرر، "التي غالبًا ما تنكر تعرضها لذلك خوفًا من المجتمع، وهنا يتم اللجوء للحديث مع الجمعية مباشرة، بطلب استبعاد عنصر المشكلة، منعًا لاستغلاله أخريات".

ورفض عايش الكشف عن عدد من تم استبعادهم على هذه الخلفية، مشددًا على أهمية التوعية والتثقيف للنساء حول التحرش بكل أشكاله، "وهذه مهمة المؤسسات، وليس جهات إنفاذ القانون".

وحسب وزارة الداخلية، يوجد في قطاع غزة (978) جمعية، تعمل في (30) قطاعًا، بينها (510) إغاثية.

وخلال عامَي (2020-2021) تم حل (58) جمعية لأسباب هي كالتالي: الجمعية تطلب حل نفسها، أو ثبوت مخالفة جوهرية للنظام الأساسي، أو انتهاء مدة مجلس الإدارة وبقاء الوضع فترة طويلة دون حل، أو عدم تسليم التقارير الإدارية، بالإضافة لـ (4) قضايا فساد.

لا إفصاح!

بدورها قالت زينب الغنيمي مديرة مركز الأبحاث والاستشارات القانونية للمرأة: "تلقى المركز في السنوات الماضية شكاوى كثيرة حول التحرش، لكن لم يكن بينها نساء يطلبن المساعدات".

وتكمل: "النساء لا يقدمن شكاوى تفيد بتعرضهن لتحرش، ربما خشية فقدان الخدمة، أو ردّة فعل الأهل حال علموا"، مؤكدةً أنها تفضل تقديم الشكاوى.

وتعريف التحرش كما أوردته الغنيمي يشمل: "الإيماء بالنظر، أو الإيحاء بالكلمة، أو اللمس، أو الإشارة"، موصيةً بوجود "ميثاق" بين مقدمي الخدمات، يدان أحدهم في حال خرقه، "فالجهات الرسمية لديها مشكلة في التعاطي مع الشكاوى كونها تستغرق وقتًا، لذا يتعذر على النساء الشكوى" تزيد.

"لا تسكتي"

"جمعية الأصدقاء" لذوي الاحتياجات الخاصة في رفح جنوب قطاع غزة، تنفذ حاليًا مبادرة بعنوان "لا تسكتي"، لتشجيع النساء على مواجهة التحرش بالإفصاح.

مدير البرامج بالجمعية سامي برهوم، أكد أن المبادرة نتاج مسح لمشكلات مجتمعية، لوجود "شواهد استغلال جنسي لنساء"، "لكن معظمهن لا يفصحن ولا يبلغن الجهات الرسمية، فكان الهدف تخفيف حساسية الناس تجاه الإبلاغ والإفصاح".

وتتحرك المبادرة في ثلاثة اتجاهات: "تغيير النظرة السلبية تجاه المُتحرّش بها، واستهداف مزودي الخدمات ليكونوا على دراية بآلية التعامل مع هذه القضايا، وتشجيع الإفصاح عن العنف الجنسي".

وتابع: "النساء لا يفصحن عن تعرضهن للتحرش لعدة عوامل، أبرزها الخشية من فقدان الخدمة، والخوف من ردة فعل الأهل، ومن المجتمع الذي قد لا يصدقهن، فيفضلن السكوت"، مؤكدًا وجود حالات لنساء تعرضن لتحرش أثناء تلقي الخدمة، "لكنها بسيطة ومحدودة، إلا أنها مؤشرات بضرورة التحرك".

وخلال جولة لمعدتَي التحقيق على الصفحات الإلكترونية لعدد من المؤسسات المحلية، اتضح أنها لا تضع بنودًا، ولا أدلة متعلقة بالحماية من التحرش، وهي لا تلتزم بنشر الأدلة، ومدونات السلوك ذات العلاقة، وحتى وزارة التنمية الاجتماعية التي تنشر ميثاق خدمة متلقي خدماتها، تتحدث فيه عن أخلاقيات العمل ومسؤولياتها وحقوق الجمهور، وليس من بينها بنودًا متعلقة بالحماية من التحرش، ومخاطر الفساد المبني على النوع الاجتماعي.

توطين آليات الحماية

يعمل صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)، على موضوع العنف المبني على النوع الاجتماعي منذ سنوات، كعضو في شبكة الحماية من الانتهاك والاستغلال الجنسي التي ترأسها "يونيسف"، وفق أماني أبو القمبز منسقة "مشاريع النوع الاجتماعي" في الصندوق.

وتشكلت شبكة الحماية عام 2018م، بهدف رفع الوعي المجتمعي بموضوع الحماية من التحرش والاستغلال الجنسي، كما تؤكد أبو القمبز، قائلةً: "خط سوا مفتوح 24 ساعة لاستقبال الاستشارات، ويقدم القائمون عليه تقارير شهرية، سواء حول نساء تعرضن للعنف في إطار العائلة، أو للانتهاكات من مزودي الخدمات سواء مؤسسات محلية، أو دولية، أو قاعدية، أو UN".

وعن شبكة المنظمات الأهلية التي يتم العمل من خلالها، فهي تضم في عضويتها 133 مؤسسة محلية من عدة قطاعات، تجتمع شهريًا لنقاش القضايا التي تعترضهم، والمشاكل التي تواجه الفئات المستفيدة، "وهي جهة رقابية، تعمل على رفعي وعي المؤسسات تجاه مصالح الفئات المستهدفة" كما توضح فداء السنوار منسقة السياسات في الشبكة.

وتكمل: "الشبكة تعمل حاليًا على رفع الوعي بآليات الحماية من الانتهاك الجنسي والتحرش، وتوزيع كتيبات، وتنفيذ تدريبات على النهج المبني على حقوق الإنسان، الذي يشمل حقوق المرأة والطفل"، مؤكدةً أن هذا ليس نابعًا من وجود شكاوى، "بل بسبب وجود حالات في دول أخرى، أصدر الأمين العام مبادئ عامة حول الموضوع عام 2007م".

منذ تأسيس شبكة الحماية، باتت هناك منظمات تربط تمويلها بالتوقيع على سياسات وآليات الحماية، وتوعية الموظفين بها، وتدرج في عقود الموردين، ورغم أن الشبكة لا ترصد "لكن شبكة الحماية رصدت 11- 14 حالة عبر خط سوا من الضفة والقطاع" تعقب السنوار.

وتعمل الشبكة -حسب السنوار- على "مدونات سلوك"، و"دليل للمؤسسات"، حول كيف يكون لديها نظام شكاوى يتعلق جزء منه بالانتهاك، والاعتداء الجنسي، وقنوات تبلّغ المجتمع بها، وكيف يشعر مقدم الشكوى بالأمان، "الذي بالمناسبة يمكن أن يكون رجلًا، أو طفلًا، ليس شرطًا امرأة".

"لا يوجد حالات"

من جانبه قال سلامة معروف رئيس مكتب الإعلام الحكومي بغزة: "المؤسسة الحكومية لم تسجل أي حالة تحرش، أما فيما يتعلق بالنهج الذي يعالج أي حالة تثبت، فإن القانون نظَّم هذه المسألة سواء في وزارة التنمية الاجتماعية أو غيرها من الوزارات، في إطار متابعتها وإشرافها على قطاعات العمل الأهلي".

وأكمل: "حال وجود أي حالة تحرش، يتم التعامل معها وفقًا للإطار القانوني الناظم. المُشرع الفلسطيني جرَّم التحرش، وهناك نصوص قانونية واضحة بخصوصه، ويتم التعامل على هذا الأساس في الجانب القانوني".

أما في الجانب الإداري المرتبط بمسؤولية المؤسسة الحكومية، "فهناك متابعة، ومعالجات، لضمان عدم تكرار الأمر، ووضع السبل الكفيلة للرقابة، ومنع تكرارها، وعلى حد علمنا لم تثبت أي حالة، ولم تتقدم أي مشتكية بشكوى بهذا الخصوص، ولكن في حال وجود أي شبهة لحالة تحرش وتقدمت أي متضررة بشكوى لأي مؤسسة حكومية، ستوضع موضع الاهتمام، وسيتم متابعتها بجدية من قبل المؤسسة والجهات التنفيذية".

وأضاف: "فكرة التحرش مرفوضة مجتمعيًا، ومتعارضة مع عادات وتقاليد مجتمعنا. يجرمها القانون، وتتعامل معها المؤسسات الحكومية ككل بقدر عالٍ من الجدية والاهتمام حال تقدمت أي متضررة بشكوى لدى أي مؤسسة حكومية".

ولا يتحدث قانون العقوبات الفلسطيني صراحةً عن جريمة التحرش، فوفقًا لدراسة لمركز الأبحاث والاستشارات القانونية للمرأة عام 2021، فإن القانون لم يتناول التحرش بشكل مستقل بل ربطه بجرائم أخرى تم تكييفها كجريمة منافية للحياء، ومن المؤكد إن جريمة التحرش يجب وضع بنيان قانوني خاص بها من خلال تحديد أركانها والعقوبة المقرة.

تعاونوا لصياغة المدونات!

مسؤولة وحدة الرصد والأبحاث في الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة "أمان"، هداية شمعون، قالت من جانبها: "قد يتوفر لدى المؤسسات الإغاثية بعض الأدلة والسياسات العامة التي تزيد الحماية للفئات الهشة، لكن عدد المؤسسات التي لديها سياسات معتمدة وموثقة لمنع التحرش لا يتجاوز المؤسستين".

وأكدت وجود حاجة لإعادة نحت المؤسسات لمفهوم الحماية خاصة للنساء متلقيات الخدمة، "فهناك نساء لا يدركن معنى التحرش، أو الابتزاز، أو العنف المبني على النوع الاجتماعي، أو أنهن يجب أن يحصلن على حقوقهن بكرامة وعدالة وإنصاف، وليس لديهن وعي بقنوات الشكاوى التي تمكن أن يلجأن إليها في حال تعرضهن لانتهاك خصوصية، أو إساءة المعاملة".

ودعت شمعون إلى توفير آليات الحماية داخل المؤسسات الخيرية، بدءًا من توضيح مفهوم التحرش لمزودي الخدمات الذين يتواصلون مع المستفيدين والمستفيدات، "وأن أي تجاوز أو انتهاك للخصوصية سيعرضهم للمساءلة والعقاب، يبدأ بلفت نظر وينتهي بالفصل"، مناديةً بتوفير صندوق شكاوى آمن بشكل مطلق، وقنوات أخرى لتقديم الشكاوى إلكترونيًا، "وأخذ الشكاوى على محمل الجدّ" وهذا هو الأهم.

إن محدودية اعتماد المؤسسات المحلية على أنظمة الحماية، وقصور جهود التوعية بضرورة الإفصاح، إلى جانب ضعف التنسيق والتواصل بين المنظمات الدولية والمحلية، أو حتى بين الجهات الحكومية في جزئيات تتقاطع بضرورة التواصل، جعل إمكانية وقوع "فساد مبني على النوع الاجتماعي"، متمثًلا بالتحرش اللفظي والجسدي، داخل المؤسسات المختلفة وارد.

يوجد في قطاع غزة أكثر من 900 مؤسسة، وبينما تتحدث الداخلية عن معرفتها بحالات تحرش، لم يتم إطلاع جهات حكومية أخرى مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالقضية بها.

كان هناك ترحيب من الداخلية بفكرة تطوير المدونات والسلوكيات، بينما لم يتضح موقف وزارة التنمية الاجتماعية التي اعتذرت عن الرد، واكتفت برد مكتب الإعلام الحكومي الذي أكد جدّية الجهات المختصة في متابعة أي حالة قد تصل، وفي هذا توافق مع ما تطرحه "نوى" من ضرورة تعديل القوانين المحلية بحيث يتم إدراج التحرش كجريمة محددة الأركان والعقوبة.