قائمة الموقع

مساحات النضال المدني المؤثر.. في مواجهة حرب الإبادة

2023-11-21T02:16:00+02:00
مظاهرات في العالم بعد مشاهد الدمار والقتل في الحرب على غزة.webp
كندة حواصلي - باحثة سورية مهتمة بقضايا المرأة واللاجئين

دخلت تداعيات "حرب الإبادة العرقية" التي يشنها الكيان الصهيوني ضد المدنيين في غزة شهرها الثاني، دون وجود بوادر هدنة أو حل على المستوى المنظور، وفي ظل هذا المشهد المعقد وحالة التدافع الإنساني الأخلاقي والمصلحي، يبرز سؤال الجدوى والأثر خاصة فيما يتعلق بدور الشعوب واحتجاجاتها السلمية الراقية، والتي لم تستطع أن تكبح جماح الآلة العسكرية الإسرائيلية الدموية، أو أن توقف الدعم الغربي غير المحدود.

ويصبح التحدي أصعب في خوض مثل هذه النقاشات في بلادنا العربية التي لم تسمح للعمل المدني بالنمو والنضج، بل شكلت الأنظمة المتلاحقة العقل العربي على فكرة العنف والعنف المضاد حلا وحيدا لأي نمط من المشاكل، وبات من الصعب الحديث مع الشباب العربي عن أشكال جديدة من المناصرة، لا تحتوي أي شكل من الاشتباك والالتحام والحرق والتكسير والشتائم، وهي أشكال لأنشطة يفرغ فيها المحتجون جام عضبهم، وإخفاقهم وشعورهم بالعجز والخذلان.

النضال اللاعنفي نجح عبر العصور في تحقيق انتصارات، وتمكن من هزيمة الأنظمة الديمقراطية والديكتاتورية على حد سواء، حيث إن قوة المجتمع وإصراره وعناده المخطط لتحقيق هدف ما، كفيلٌ بالوقوف أمام أعتى الأنظمة القمعية والديكتاتورية وأدواتها المتنوعة

بين التفاعل الواسع والتفاعل النوعي

يعتبر بعض الخبراء والمتابعين أن النشاط الجماهيري المتفاعل مع قضية غزة لازال يدور في دائرة من العشوائية وضعف التأثير، رغم اتساع مداه الجغرافي وحشده لملايين المحتجين والمتظاهرين، وقد يسخر البعض في عالمنا العربي من العديد من المبادرات والأنشطة اللا عنفية المتضامنة مع القضية على اعتبارها "كيوت"، وفردية، لا تحسم المشهد ولا تحقق النصر السريع، فيما يرى آخرون أن هذا التفاعل الشعبي ما هو إلا بذور لحالة وعي ونضج عام، يحتاج من يستثمره ويرشد حراكه، ليتحول من شكل تفاعل هائج غاضب حافل بالصيحات والهتافات إلى حراك منظم راشد أكثر هدوءً وأكثر تأثيراً.

يقارب جين شارب نفس الفكرة في مقاله "البدائل الحقيقية" مشيراً إلى أن النضال اللاعنفي نجح عبر العصور في تحقيق انتصارات، وتمكن من هزيمة الأنظمة الديمقراطية والديكتاتورية على حد سواء، حيث إن قوة المجتمع وإصراره وعناده المخطط لتحقيق هدف ما، كفيلٌ بالوقوف أمام أعتى الأنظمة القمعية والديكتاتورية وأدواتها المتنوعة، وهزيمتها أو تقليم أظافرها.

ويشبّه شارب النضال بين طرف يستخدم العنف وطرف يستخدم اللاعنف بحلبة المصارعة اليابانية، والتي تكون فيها أحجام المتصارعين وقوتهما البدنية غير متكافئين، لكن نتيجة المباراة تحسم لصالح من يملك استراتيجيةً، وتكتيكاً، وقدرة على المناورة واستهداف الخصم في نقاط ضعفه، ويتمكن في النهاية من زعزعة توازنه.

ورغم غرابة الفكرة في عالمنا العربي المنكوب، إلا أن المشهد الحالي يقدم تجارب توضح أنه بالإمكان استخدام الأدوات اللاعنفية في مواجهة الأزمات الحادة، بشرط أن تكون ضمن حالة من الفهم والمعرفة والتخطيط الذي يخدم استراتيجية واضحة، وامتلاك أهداف مرحلية وأخرى بعيدة المدى، واعتماد خطوات عمل تراكمية يمكن من خلالها التصعيد والمناورة وسحب زمام المبادرة وانتظار اللحظة المواتية لتسديد الضربة وتحقيق الهدف.

من اللافت في هذه الأنشطة أنها لا تضرب سمعة هذا المطعم أو الشركات الداعمة فحسب، بل نستهدف من تبقى من زبائنها، وتشعرهم بالمسؤولية الأخلاقية الملقاة على عاتقهم، وواجب الاستنكار حتى لا يكونوا شركاء بالجريمة

مشاهد يجب التوقف عندها

شهدت الأسابيع المنصرمة العديد من الفعاليات والاحتجاجات الزاخرة في مختلف بقاع العالم، إلا أن هناك بعض المبادرات النوعية التي يفترض التوقف عندها والتعلم منها، ولعل أهمها تلك التي سعت إلى تعطيل مؤقت لمراكز المواصلات الحيوية كمحطة القطارات في نيويورك وفي واشنطن، والمظاهرة الغاضبة التي عطلت مطار أمستردام في هولندا قبل أيام وشارك في حشود من مختلف الجنسيات.

للوهلة الأولى قد لا يبدو هذا المشهد غريباً أو مختلفاً عن أشكال الاحتجاج الأخرى، إلا أن التعمق فيه يشير إلى تطور نوعي في شكل الاحتجاج المدني السلمي الذي قد يهدد أو يعطل مصالح حيوية، وينذر مستقبلاً بإمكانية التصعيد وتوسع الشكل الاحتجاجي من حيث انتشاره الجغرافي وفترته الزمنية.

ولنتخيل أن يحدث هذا الاحتجاج بشكل متزامن في 10 عواصم كبرى، يعيق فيها المحتجون الحركة في مفاصل حيوية في تلك الدول لساعات، دون أي اشتباك مع قوات الأمن أو لجوء للعنف أو التخريب، كيف يمكن أن نتوقع شكل الإرباك الحاصل في هذه العواصم؟ وكيف ستستقبل حكومات هذه الدول هذا التطور وتسعى إلى تداركه، قبل أن يتطور ويمتد لتعطيل أوسع لحركة المواصلات والتسبب بشلل فيها.

مشهد أخرى يفترض التوقف عنه وتحليله، وهي دعوات أطلقها ناشطون للتجمع بشكل متزامن في فروع مطاعم غربية جاهرت بدعمها للكيان الصهيوني، والجلوس الاحتجاجي السلمي على الأرض استنكاراً لقتل المدنيين ودعم قاتلهم، ورفع الهتافات واللافتات التي تدعو لمقاطعة هذه المطاعم كونها شريكة في جريمة الإبادة والتطهير العرقي، داخل تلك المطاعم وضمن جمهورها.

ومن اللافت في هذه الأنشطة أنها لا تضرب سمعة هذا المطعم أو الشركات الداعمة فحسب، بل نستهدف من تبقى من زبائنها، وتشعرهم بالمسؤولية الأخلاقية الملقاة على عاتقهم، وواجب الاستنكار حتى لا يكونوا شركاء بالجريمة، مع التأكيد بأن هذه الشركات وبقية فروعها سيكون وجهة لأنشطة احتجاجية قادمة وفق خطة تصعيد مرسومة بشكل متقن عقاباً له على موقف سياسي منحاز وغير أخلاقي.

لنسأل هنا خبراء العلاقات العامة وبناء السمعة حول تأثير هذا النوع من الاحتجاج، فيما لو تكرر بشكل دوري وتوسعت رقعته حول العالم ليشمل في عدة فروع رئيسية لهذا المطعم ضمن عدد أكبر من الدول، كيف ستكون سمعته بعد أن تحول من ماركة عالمية تعكس قيماً معينة إلى رمز لدعم القتل والإبادة، وماهي السياسات التي يفترض أن يتعاطاها بعد أن باتت مصالحه المباشرة مهددة وبشكل واضح.

لقد أصبحت الجماهير تمتلك القدرة المباشرة على مخاطبة صانعي القرار وداعميهم بشكل مباشر، كما أصبحت هذه الطاقات الجماهيرية قادرة على التمركز حول قضية أو موضوع، ومنح أو سحب الشرعية عن الكثير من القرارات أو الممارسات

 

ساحات نضال جديدة بأساليب مبتكرة

لا بد من الاعتراف بأن الأجيال الجديدة تملك القدرة والأدوات على تطوير أفكار مبتكرة ونوعية، لا تخرج عن إطار النضال السلمي وتحقيق التأثير المدني والمشاركة في صناعة القرار، ولعل منصات السوشيال ميديا على تنوعها أتاحت الفرصة لتجاوز حدود الجغرافيا ونشر الأفكار وتبادل الخبرات والتجارب في مجال التحشيد والمناصرة، والأهم من ذلك الوصول إلى المعنيين وأصحاب السياسات والتفاعل معهم تأييداً واستنكاراً بما يشكل حالة من الضغط الإعلامي والشعبي سريعةً مباشرةً لا يمكن تجاهلها.

لقد أصبحت الجماهير تمتلك القدرة المباشرة على مخاطبة صانعي القرار وداعميهم بشكل مباشر، كما أصبحت هذه الطاقات الجماهيرية قادرة على التمركز حول قضية أو موضوع، ومنح أو سحب الشرعية عن الكثير من القرارات أو الممارسات، عدا عن استهداف بعض الرمزيات والقيم والأفكار التي بنيت عليها بعض الدول التي تتورط في جرائم وانتهاكات، وخلق حالة من الوصمة تجعل الشعوب تتبرم من سياسات حكوماتها وشركاتها، وتضغط عليهم عندما تتجاوز تلك الحكومات والشركات المعايير الأخلاقية والخطوط الحمراء.

والأجدر بنا، نحن شعوب العالم الثالث، والشعوب العربية على وجه الخصوص، تلك التي تعيش في رقعة جغرافية تتفجر بالمشاكل المتلاحقة، أن نتعلم ونطور أدواتنا ومفاهيمنا وأساليب المقاومة المدنية، ونفكر في إيجاد مساحات عمل بعيداً عن العنف والانتقام المباشر من أجل حل مشاكلنا وقضايانا الداخلية والمشاركة في صناعة القرار.

ومن المهم للأجيال التي تتابع المشهد الحالي، أن تتعلم من تجارب الأخرين وتطور أدواتها نحو حالة أوسع من التأثير العالمي، واستخدام الأدوات الفعالة، والتعويل على الضغط واستهداف المصالح أكثر من التفاعل العاطفي السلبي، حيث أن نجاح هذه الأجيال في امتلاك أدوات المشاركة والتأثير يعني المزيد من الانخراط في القضايا العامة، والمزيد من الإيمان بقدرة هذه الأجيال وقوتها ومجالات تأثيرها، وتحولها من مجرد شريحة مستهدفة مستضعفة إلى شريحة تمارس حالة من الرقابة وتملك القدرة على الضغط لإجبار الحكومات والشركات على الالتزام بالمبادئ الأخلاقية بدل الانجرار وراء المصالح.

اخبار ذات صلة