لم يعد الجدل حول استخدام الذكاء الاصطناعي في الحرب على غزة محصورًا في قدرته على تسريع إنتاج الأهداف العسكرية، بل امتد إلى سؤال أكثر حساسية: هل يمكن أن تكون البيانات الرقمية التي ينتجها الصحفيون ويتركونها خلفهم جزءًا من منظومة مراقبة واستهداف تعرضهم للخطر؟
في الآونة الأخيرة، أثارت تصريحات مسؤولين وتقارير وتحقيقات وشهادات متعددة تساؤلات بشأن العلاقة المحتملة بين أنظمة تحديد الأهداف، وقدرات المراقبة، والعدد المرتفع من الصحفيين الذين استشهدوا خلال الحرب.
اتهامات وشكوك
في يناير/كانون الثاني 2024، حذّر الاتحاد الدولي للصحفيين من العدد المرتفع للصحفيين الشهداء في غزة، وقال نائب أمينه العام توم داوسون إن معدل الوفيات بين العاملين في الإعلام يجعل من الصعب اعتبار الأمر مجرد مصادفة.
وأشار داوسون إلى تقارير عن امتلاك الجيش الإسرائيلي أنظمة استهداف مدعومة بالذكاء الاصطناعي، من بينها «هبسورا» (The Gospel)، متسائلًا عما إذا كانت مثل هذه الأنظمة يمكن أن تُستخدم في قرارات تتعلق باستهداف الصحفيين وعائلاتهم ومنازلهم، لكنه قدم ذلك بوصفه مخاوف وتساؤلات تستدعي التحقق، وليس دليلًا على استخدام النظام ضد صحفيين بعينهم.
وتأتي هذه المخاوف في سياق أوسع، فقد قالت لجنة حماية الصحفيين في ديسمبر/كانون الأول 2023 إنها وثقت نمطًا مثيرًا للقلق من استهداف الصحفيين وعائلاتهم، بما في ذلك حالات قال فيها صحفيون إنهم تلقوا تهديدات من مسؤولين إسرائيليين أو ضباط في الجيش قبل استشهاد أفراد من عائلاتهم، نتيجة عملهم.
ماذا تفعل أنظمة الذكاء الاصطناعي؟
في أبريل/نيسان 2024، نشرت مجلة «+972» و«سيحا مكوميت» تحقيقًا استند إلى مقابلات مع مصادر استخباراتية إسرائيلية حول استخدام أنظمة تعتمد على معالجة كميات ضخمة من البيانات في عمليات تحديد الأهداف.
ووفق التحقيق، يختلف دور ثلاثة أنظمة رئيسية: «لافندر» (Lavender) الذي قيل إنه يصنف أشخاصًا باعتبارهم أهدافًا محتملة، و«هبسورا» (The Gospel) الذي يركز على تحديد المباني والمنشآت، ونظام «Where's Daddy?» الذي قيل إنه يساعد في تحديد وجود أشخاص مصنفين داخل منازلهم.
لكن الجيش الإسرائيلي رفض تصوير هذه الأنظمة باعتبارها أدوات مستقلة لاتخاذ قرار القتل، وقال إن «لافندر» أداة تساعد في تحليل المعلومات ولا تحدد بمفردها من هو عضو في جماعة مسلحة، وإن المحللين ملزمون بإجراء تحقق مستقل قبل اعتماد الأهداف.
وهنا تظهر إحدى أهم نقاط التحقيق: إذا كانت الخوارزمية تساعد في إنتاج قائمة بالأهداف، فأين تنتهي توصية الآلة وأين يبدأ القرار البشري؟
لماذا يهم ذلك الصحفيين؟
تكتسب المسألة أهمية إضافية لأن الصحفي في غزة يترك خلفه كمية كبيرة من البيانات الرقمية: هاتف محمول، مكالمات ورسائل، تطبيقات تحديد الموقع، صور وفيديوهات، بث مباشر، حسابات على مواقع التواصل وشبكات من المصادر والزملاء.
وقد كشفت تحقيقات لاحقة عن مستوى أوسع من قدرات المراقبة الإسرائيلية. ففي أغسطس/آب 2025، أفادت «الغارديان» و+972 و«سيحا مكوميت» بأن الوحدة 8200 استخدمت مساحة مخصصة داخل منصة Microsoft Azure لتخزين كميات هائلة من المكالمات الهاتفية الفلسطينية المعترضة وتحليلها، وقالت مايكروسوفت لاحقًا إنها فتحت مراجعة داخلية بشأن هذه المزاعم.
ولا يعني ذلك أن كل صحفي في غزة كان مستهدفًا عبر هذه المنظومة، ولا يثبت أن بيانات صحفي بعينه استُخدمت لتحديد موقعه. لكنه يكشف حجم البيئة الرقمية التي يعمل داخلها الصحفي الفلسطيني، ويطرح سؤالًا جوهريًا حول إمكانية تحول البيانات التي تُنتج لأغراض الاتصال والعمل الصحفي إلى أدوات للمراقبة العسكرية.
صحفيون تحت النار
تقول لجنة حماية الصحفيين إن التحقق من ظروف استشهاد الصحفيين في غزة يواجه صعوبات استثنائية بسبب منع الصحافة الأجنبية من الدخول بصورة مستقلة، وتدمير البنية التحتية للاتصالات، والنزوح الجماعي، واستمرار العمليات العسكرية، كما وثقت اللجنة حالات قتل وتهديدات وهجمات وأشكالًا أخرى من الانتهاكات بحق الصحفيين وأفراد عائلاتهم.
وفي أغسطس/آب 2025، كان الصحفي أنس الشريف من بين العاملين في قناة الجزيرة الذين استشهدا في ضربة استهدفت خيمة للصحفيين قرب مستشفى الشفاء. وكانت لجنة حماية الصحفيين قد وثقت في ملفه تلقيه تهديدات سابقة، كما أشارت إلى استشهاد والده في غارة على منزل العائلة في ديسمبر/كانون الأول 2023.
وفي المقابل، قالت السلطات والجيش الإسرائيليان في حالات مختلفة إن بعض الصحفيين الذين استشهدوا كانوا مرتبطين بجماعات مسلحة أو كانوا يشاركون في أنشطة عسكرية، وهي ادعاءات ترفضها مؤسسات إعلامية وأسر وزملاء الصحفيين في عدد من الحالات.
لذلك، فإن إثبات الاستهداف المتعمد يتطلب أكثر من مجرد إثبات أن الضحية كان صحفيًا أو أن الجيش استخدم الذكاء الاصطناعي في الحرب.
هل يمكن للهاتف أن يكشف مكان الصحفي؟
هنا تنتقل القضية من أنظمة استهداف الأهداف العسكرية إلى السؤال الأكثر قربًا من الصحفي نفسه.
يمكن للهواتف المحمولة أن تكشف أنماط الحركة والاتصال، كما يمكن للصور والفيديوهات والبث المباشر أن تكشف الموقع والوقت والمعالم المحيطة. ويمكن للشبكات الرقمية أن تكشف العلاقات بين الأشخاص.
وفي بيئة تعتمد على تحليل كميات ضخمة من البيانات، قد لا تكون المعلومة الخطرة هي ما ينشره الصحفي فقط، بل البيانات التي ينتجها هاتفه بصورة تلقائية أثناء عمله.
وهذا يطرح أسئلة لا تزال بحاجة إلى إجابات: هل تدخل بيانات الصحفيين في قواعد البيانات المستخدمة في عمليات المراقبة؟ هل توجد آليات تمنع استخدام البيانات المتعلقة بالصحفيين المحميين بموجب القانون الدولي؟ وما نسبة الخطأ عندما تعتمد أنظمة تحليلية على مؤشرات رقمية بدل التحقق البشري المباشر؟
بين الخوارزمية والقرار البشري
القضية الأساسية ليست ما إذا كان الذكاء الاصطناعي «يقتل» بمفرده، بل كيف يمكن أن يؤثر في سلسلة القرار التي تسبق الضربة.
إذا كانت الخوارزمية تنتج تصنيفًا أو ترشيحًا، ثم يعتمد الإنسان عليه، فإن السؤال يصبح: ما جودة البيانات التي بُني عليها التصنيف؟ وما هامش الخطأ؟ وما الإجراءات المطلوبة للتحقق؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما يكون التصنيف خاطئًا؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر إلحاحًا عندما يتعلق الأمر بالصحفيين، الذين يتمتعون بالحماية المقررة للمدنيين ما لم يشاركوا مباشرة في الأعمال العدائية.
سلامة الصحفي في زمن الخوارزميات
في الحروب السابقة، كانت قواعد السلامة الصحفية تركز على تجنب مناطق القتال، واختيار أماكن الإقامة، وارتداء سترة الصحافة، ومعرفة مخارج الطوارئ.
أما في بيئة الحرب الرقمية، فقد أصبحت السلامة تشمل أيضًا البصمة الرقمية.
وتوصي إرشادات السلامة الصحفية بتقليل كشف الموقع الجغرافي، والحذر من البث المباشر من مواقع ثابتة، وإزالة بيانات الموقع من الملفات عند الحاجة، واستخدام وسائل اتصال أكثر أمانًا، والفصل بين الحسابات المهنية والشخصية.
لكن هذه التوصيات تصطدم بواقع غزة، حيث يضطر الصحفي إلى نقل الأحداث في الوقت الحقيقي، بينما يعمل وسط انقطاع الكهرباء والاتصالات والنزوح المستمر.
سؤال مفتوح
لا تكفي المعطيات المتاحة حاليًا للقول إن إسرائيل استخدمت منظومات الذكاء الاصطناعي لاستهداف الصحفيين الفلسطينيين بصورة مباشرة ومنهجية.
لكنها تكفي لطرح سؤال يستحق تحقيقًا مستقلًا: ماذا يحدث عندما يلتقي نظام عسكري يعتمد بصورة متزايدة على تحليل البيانات مع صحفيين يعملون في واحدة من أكثر البيئات مراقبة في العالم؟
الإجابة تتطلب الوصول إلى بيانات الضحايا، وتحليل أنماط الاتصالات والمواقع، ومقارنة أوقات التهديدات والضربات، وفحص الأجهزة الرقمية، ومراجعة سجلات الاستهداف حيثما أمكن، والاستماع إلى شهادات الصحفيين وعائلاتهم.
وإلى أن تتوفر مثل هذه الأدلة، يبقى السؤال مفتوحًا، لكن المؤكد أن مستقبل سلامة الصحافة في مناطق النزاع لن يتحدد فقط بقدرة الصحفي على الاختباء من القذائف، بل أيضًا بقدرته على فهم ما تقوله بياناته عنه، ومن يستطيع قراءتها.
