في ساعات الفجر الأولى من يوم الأحد، 1 يونيو/حزيران 2025، تحولت مراكز توزيع المساعدات التابعة لـ"مؤسسة غزة الإنسانية"، التي تديرها شركة أمنية أمريكية-إسرائيلية، في مدينة رفح ومنطقة نتساريم جنوب مدينة غزة، إلى ساحات للموت، بعدما تجمع فيها آلاف الفلسطينيين الجوعى بحثا عن كيس طحين أو علبة طعام.
وسجلت وزارة الصحة في قطاع غزة، منذ ساعات الفجر وحتى الظهيرة، مقتل 31 مدنيا فلسطينيا وإصابة أكثر من 200 آخرين أمام مركز توزيع المساعدات في رفح، فيما قتل فلسطيني وأصيب نحو 32 آخرين أمام مركز التوزيع في محور نتساريم.
لكن خلف هذه الأرقام قصصا لأشخاص لم يذهبوا إلى تلك المراكز بحثا عن شيء سوى الطعام، ومن بينهم ياسر فتحي، (39 عاما)، الذي غادر خيمته في دير البلح متجها إلى مركز توزيع المساعدات في رفح، على أمل أن يعود بما يسد شيئا من جوع أطفاله الخمسة.
ذهب بحثا عن الطعام فعاد مشلولا
لم يكن ياسر يبحث عن أكثر من كيس طحين أو علبة طعام، فقد كان يحمل أملا بسيطا يتمثل بالعودة إلى أطفاله بشيء يأكلونه ويسدون جوعهم.
لكن الرحلة التي بدأها بحثا عن الطعام انتهت به على سرير المرض، بعدما اخترقت رصاصة ظهره وأصابته بشلل نصفي.
يقول فتحي لـ"مراسلنا" إن اشتداد الجوع ونفاد المواد الغذائية من الأسواق دفعاه إلى التوجه إلى مركز المساعدات، رغم التحذيرات التي كان يسمعها عن خطورة الوصول إلى تلك النقاط.
ويضيف: "اشتدت المجاعة، وبات الحصول على الطعام أمرا صعبا، في ظل عدم إدخال إسرائيل شاحنات المساعدات إلى القطاع واختفاء البضائع والسلع من الأسواق".
وكان قرار ياسر مرتبطا بما يراه داخل خيمته كل يوم، أطفاله الخمسة يكابدون الجوع، فيما أصبحت المواد الغذائية شحيحة وباهظة الثمن، ويتذكر كيف سقط أحد أطفاله على الأرض بعدما أنهكه نقص السكر، في مشهد لم يستطع الأب تجاهله.
يقول: "عندما شاهدت طفلي يسقط أرضا، قررت التوجه إلى مركز المساعدات، على أمل الحصول على بعض الطعام، كما كانوا يقولون لنا".
وانطلق ياسر برفقة عدد من أقاربه وأصدقائه، متوجها إلى مركز التوزيع أملا في الحصول على بعض الطحين أو المعلبات؛ لكنه لم يعد إلى خيمته بالطعام الذي خرج من أجله؛ عاد مصابا برصاصة في ظهره، وجسد لم يعد قادرا على الحركة كما كان.
ويستعيد فتحي ما كان يسمعه من أشخاص سبق أن توجهوا إلى مراكز توزيع المساعدات، قائلا "إن عملية التوزيع كانت "مذلة جدا"، وأشبه بـ"اللعبة القاتلة".
ويضيف: "تبدأ بتجمع الناس ليلا، ومع بداية ضوء الشمس يبدأ إطلاق النار على الناس الجوعى، تقتل من تقتل وتصيب من تصيب".
ورغم كل ما سمعه من روايات مخيفة، لم يجد ياسر أمام جوع أطفاله خيارا آخر، ذهب بحثا عن لقمة تسد جوعهم، فانتهى به الأمر مصابا بإعاقة دائمة.
وتختصر حكاية ياسر مأساة آلاف الغزيين الذين وجدوا أنفسهم أمام خيار بالغ القسوة، البقاء في خيامهم ومواجهة الجوع، أو التوجه إلى نقاط توزيع المساعدات أملا في الحصول على الطعام، وسط مخاطر تهدد حياتهم.
المساعدات تتحول إلى ساحات للموت
وبدأت أزمة الجوع تتفاقم في قطاع غزة منذ 2 مارس/آذار 2025، حين شددت إسرائيل حصارها ومنعت إدخال المساعدات الإنسانية والإغاثية إلى القطاع، الذي يقطنه نحو 2.2 مليون فلسطيني.
وبعد نحو 80 يوما من الحصار المشدد، بدأت "مؤسسة غزة الإنسانية" العمل، لتصبح مراكزها وجهة لآلاف الفلسطينيين الذين أنهكهم الجوع، أملا في الحصول على الطحين والمواد الغذائية.
لكن هذه المراكز، بحسب روايات فلسطينيين وشهادات محلية، تحولت إلى نقاط شديدة الخطورة، حيث تعرض جموع المدنيين لإطلاق النار والقصف أثناء محاولتهم الوصول إلى المساعدات.
وحدد جيش الاحتلال أربع نقاط لتوزيع المساعدات عبر المؤسسة، ثلاث منها في جنوب القطاع، وواحدة في محور نتساريم، الذي يفصل بين جنوب القطاع وشماله.
ومنذ بدء العمل بهذه الآلية، سُجلت هجمات دامية قرب نقاط توزيع المساعدات، ولا سيما في رفح جنوب القطاع، حيث توجه آلاف الفلسطينيين الجائعين إلى مراكز أقيمت في مناطق وصفها شهود بأنها معزولة وخالية من مقومات الحياة، ومحاطة بأسلاك شائكة ومخاطر من مختلف الجهات.
وقال شهود عيان إن شدة المجاعة وانعدام المواد الغذائية دفعت الفلسطينيين إلى الاندفاع نحو تلك النقاط، رغم المخاطر، في محاولة للحصول على الطرود الغذائية.
أرقام تتصاعد ومطالب بالتحقيق
وقال المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إن 22 فلسطينيا استشهدوا وأصيب أكثر من 115 آخرين في مجزرة جديدة استهدفت مدنيين جوعى تجمعوا عند مواقع توزيع المساعدات الإنسانية التي تشرف عليها شركة أمريكية-إسرائيلية.
وأوضح المكتب أن الحصيلة أولية وقابلة للارتفاع، مشيرا إلى أن عدد ضحايا الهجمات على مواقع المساعدات ارتفع إلى 39 شهيدا وأكثر من 220 جريحا خلال أقل من أسبوع.
واعتبر المكتب أن ما يجري يمثل استخداما للمساعدات كأداة ضغط على المدنيين الجوعى، وحشدهم في نقاط مكشوفة، متهما إسرائيل باستخدام هذه المواقع ضمن سياساتها الأمنية والعسكرية.
وأضاف أن آلية توزيع المساعدات عبر ما وصفها بـ"المناطق العازلة" أثبتت فشلها وخطورتها، داعيا إلى إيصال المساعدات عبر المعابر الرسمية ومن خلال المنظمات الأممية والدولية المحايدة.
كما طالب الأمم المتحدة ومجلس الأمن بتحمل مسؤولياتهما، وفتح المعابر أمام المساعدات، وتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة لتوثيق ما وصفها بالمجازر ومحاسبة المسؤولين عنها أمام المحاكم الدولية.
وحذر المكتب من استمرار إقامة "مناطق عازلة" أو "ممرات إنسانية" تحت إشراف إسرائيلي أو بتمويل أمريكي، معتبرا أن هذا النموذج لا يوفر الحماية للمدنيين الجوعى.
وفي السياق، وصف مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالحق في السكن اللائق مشاهد تسليم المساعدات في غزة بأنها "سادية"، معتبرا أنها تستخدم في الإذلال والقتل، وقال: "لا أجد كلمات أمام مشهد تسليم المساعدات السادي في غزة".
جوع تحت الركام
ويعيش سكان قطاع غزة ظروفا إنسانية كارثية نتيجة تدمير البنية التحتية وانهيار النظام الصحي ونقص الغذاء والمياه، وتشير تقديرات أممية إلى أن نحو 1.5 مليون فلسطيني أصبحوا بلا مأوى، فيما طال الدمار أكثر من 70% من مباني القطاع.
ومنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، يشن الجيش الإسرائيلي حربا على قطاع غزة بدعم أمريكي وأوروبي، وسط اتهامات بارتكاب انتهاكات وجرائم حرب.
وبحسب الأرقام الواردة عن وزارة الصحة في غزة، ارتفعت حصيلة القتلى منذ السابع من أكتوبر 2023 حتى إعداد التقرير إلى 54 ألفا و381 شهيدا، فيما بلغ عدد المصابين 124 ألفا و54 شخصا.
بينما قتل 4117 فلسطينيا وأصيب 12 ألفا و13 آخرون منذ استئناف الحرب في 18 مارس/آذار 2025، عقب هدنة مؤقتة استمرت 60 يوما.
