غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

مادلين كُلاب: سفينة دولية تحمل اسمها وأطفالها لا يجدون رغيف الخبز

مدلين كلاب .. قصة سفينة مدلين
شمس نيوز - عبدالرؤوف زقوت

 

لا تجد الصيادة الفلسطينية مادلين كُلاب، التي أطلق تحالف أسطول الحرية اسمها على إحدى سفنه تكريما لها، ما يسد جوع أطفالها، في مفارقة تصفها بـ "المضحكة المبكية".

تجلس مادلين في غرفة لا تتجاوز مساحتها (4×4) أمتار، ويحوم أطفالها الأربعة من حولها دون أن يتركوا لها مجالا للحديث من شدة جوعهم، فيما تحاول الأم التي أفقدتها الحرب كل ما تملك أن تسكتهم بوعود لا تعلم إن كانت تستطيع تحقيقها، عن طعام قادم أو فرج قريب.

تقول مادلين لمراسل "شمس نيوز" إنها تصحو كل يوم على "كابوس متكرر"، وهي التي كان مركبها ومهنة الصيد جزءا كبيرا من حياتها والمعيل الأساسي لأسرتها، لكن كل ذلك "دمر واختفى" مع حرب الإبادة الجماعية التي يتعرض لها قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر لعام 2023.

طفولة صعبة

تعمل كُلاب (30 عاما) في مهنة الصيد منذ كانت في السادسة من عمرها، إذ كانت تساعد والدها في تجهيز شباك الصيد وتخوض البحر بحثاً عن رزقها ورزق أسرتها.

وتقول إنها لم تستمتع بطفولتها مثل باقي الأطفال، وزاد من الأعباء إصابة والدها واضطراره إلى الجلوس في المنزل وهي في سن الثالثة عشرة، إذ لم يكن أمامها سوى خوض البحر هي وشقيقها الأصغر لتوفير سبل العيش لأسرتهم.

تمكنت مادلين من تأسيس نفسها وشراء شباك وقارب للصيد، وما إن بلغت الـ (22 عاما) حتى تزوجت من صياد، وتقول: "عندما تزوجتُ تغير أسلوب حياتي قليلا، فبدلا من الذهاب مع زوجي وشقيقي لخوض البحر، بتُّ أساعدهم في تجهيز شباك الصيد وأعدّ لهم الطعام والشراب".

مرت السنوات وأصبحت مادلين أُمّا لأربعة أطفال كانوا فرحتها وسعادتها، يذهبون معها إلى شاطئ البحر لتجهيز شباك الصيد، وتقول: "أنا فقدت طفولتي، وأطفالي أيضاً باتوا مجبرين على العيش في إطار مهنة الصيد؛ فهي مصدر رزقنا الوحيد".

لحظة فارقة

وعن يوم السابع من أكتوبر 2023، تشير مادلين إلى أنه كان يوما فارقا في حياتها، بعد أن استيقظت وأطفالها على أصوات الصواريخ والانفجارات، وعلى وقع الحرب والقصف الإسرائيلي اضطرت وزوجها للنزوح من مدينة غزة إلى جنوب الوادي (المنطقة التي صنفتها إسرائيل بأنها آمنة).

عمَّ الصمت الغرفة برهة من الوقت لتسيل الدموع من عينيها وهي تروي تفاصيل مؤلمة عن تغير حياتها، موضحة أن الحرب تسببت في تدمير كل ممتلكاتها من شباك ومراكب للصيد، وزادت معاناتها لأن الرزق في مهنة الصيد يعتمد على العمل اليومي: "إذا عملت اليوم تأكل، وإذا لم تعمل لن تحصل على قوت يومك".

تحاول مادلين وزوجها البدء من الصفر للحصول على ما يسد جوع أطفالهم في ظل الحرب والحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة، وتفاقم أزمة الجوع بسبب النقص الحاد في المواد الغذائية، وارتفاع أسعار ما تبقى منها بشكل جنوني فوق قدرة الأسرة البسيطة.

مادلين وأسطول كسر الحصار

قبل أسابيع قليلة، تواصل مع الصيادة مادلين كُلاب أصدقاء لها في كندا وأبلغوها بنيتهم إعداد سفينة محملة بالمساعدات الإنسانية والأدوية والأطراف الصناعية، مع رغبتهم في تسميتها على اسمها: "سفينة مادلين".

وعن شعورها بعد تلقي الاتصال، تروي مادلين أنها لم تصدق وشعرت بـ "الفخر والعزة"، وكأنها استردت روحها من جديد، مضيفة: "السفينة أحيت فيَّ روحي ووافقت على الفور؛ فهذا شرف لي أن تحمل سفينة كسر الحصار اسمي".

وأوضحت مادلين أن النشطاء والمتضامنين الأجانب يقدرون مجهودها وكفاحها الشخصي في مهنة صعبة تقتصر عادة على الرجال لتوفير لقمة العيش، لذلك أطلقوا على السفينة اسمها، قائلة: "هذا تكريمٌ كبير لي".

ومنذ انطلاق "سفينة مادلين" لكسر الحصار عن غزة، كانت الصيادة الفلسطينية على تواصل مع طاقم السفينة، مؤكدة أنها كانت تدرك تماماً أن الاحتلال الإسرائيلي لن يسمح للسفينة بالوصول إلى شاطئ قطاع غزة بسبب الحرب والحصار المفروض جوا وبرا وبحرا.

ولفتت مادلين إلى أن "السفينة كانت تحمل مواد غذائية وتموينية وأطرافا صناعية وأدوية لا تشكل أي خطر على إسرائيل، وأن جميع النشطاء سلميون ومعروفون وليس لهم سجلات مشبوهة مطلقا، لكنهم فعلوا كل ما يستطيعون لكسر الحصار عن شعب يموت جوعا منذ نحو عامين".

وتأمل مادلين أن ينكسر الحصار وتنتهي الحرب لتتمكن من توفير حياة أجمل لأطفالها، وتقول: "أطالب فقط بأن أعيش بكرامة، وأن أتمكن من تعليم أطفالي وتربيتهم ليعيشوا حياة سعيدة ويكون مستقبلهم أفضل من مستقبلي؛ فقد حُرِمت من طفولتي وألعابي وحياتي الجميلة، ولا أذكر يوماً ذهبت فيه إلى منتزه أو مطعم أو ملاهٍ، بل كانت كل حياتي داخل البحر، وأتمنى أن تكون حياة أطفالي أفضل من حياتي".

سفينة رقم 36

تُعد "مادلين" السفينة رقم 36 في إطار محاولات تحالف أسطول الحرية لكسر الحصار الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة منذ عام 2007، وفقاً لبيانات التحالف.

وانطلقت السفينة في الأول من يونيو/حزيران 2025 من ميناء كاتانيا في جزيرة صقلية الإيطالية بالبحر المتوسط متوجهة إلى قطاع غزة، ومحملة بالمساعدات الإنسانية ومدافعين دوليين عن حقوق الإنسان، تحدياً للحصار غير القانوني المترتب على الفلسطينيين.

وتحمل السفينة مساعدات لسكان قطاع غزة تشمل حليب الأطفال، والدقيق، والأرز، والحفاضات، والمستلزمات الطبية، ومعدات تحلية المياه، إضافة إلى أطراف صناعية للأطفال.

 

ويبلغ طول السفينة نحو 18 مترا، وتُقدر المسافة التي تقطعها للوصول إلى القطاع بنحو 1250 ميلا (ألفي كيلومتر)، مستغرقة 7 أيام متواصلة ما لم تواجه أي تعطيل أو تدخل خارجي.

السيطرة على السفينة

تبدد حلم الصيادة الفلسطينية وأملها بعدما استولت البحرية الإسرائيلية في الساعات الأولى من صباح يوم الإثنين (9 يونيو 2025) على سفينة المساعدات وباقي سفن الأسطول.

وأشار موقع "واللا" الإخباري إلى أن وحدة الكوماندوز البحرية «شايطت 13» هي التي نفذت عملية الاستيلاء على السفينة، حيث تم اقتيادها إلى ميناء أشدود.

واقع مرير

وفقا لتقارير منظمة العمل الدولية (ILO) والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، تسببت الحرب على قطاع غزة في انهيار شبه كامل لسوق العمل، حيث قفزت معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة تجاوزت 75% إلى 80%، مع فقدان أكثر من 200 ألف فرصة عمل بشكل مباشر.

وأكدت المنظمة أن الشلل التام الذي أصاب القطاع الخاص وتوقف حركة المنشآت الاقتصادية والإنتاجية أدى إلى تجريد الغالبية العظمى من القوى العاملة من مصادر دخلها، مما وضع المجتمع الغزي أمام حالة عجز اقتصادي واعتمد شبه مطلق على المساعدات الإنسانية.

وتشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) ومؤسسات حقوقية دولية ومحلية، من بينها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) ومركز الميزان لحقوق الإنسان، إلى أن قطاع الصيد البحري -الذي كان يمثل أحد أعمدة الأمن الغذائي والهوية الاقتصادية للقطاع- تعرض للإبادة والتدمير الشامل؛ حيث قدرت تقارير (FAO) تضرر وتدمير ما بين 72% إلى 87% من قوارب الصيد والمعدات والبنية التحتية لميناء غزة الرئيسي والمرافئ الفرعية.

وأوضحت التقارير الحقوقية أن فرض الحصار البحري الكامل واستهداف الصيادين أدى إلى انخفاض عائدات وكميات الأسماك بنسبة تتجاوز 92%، مما حَرَم أكثر من 4,500 صياد مسجل من مصدر رزقهم التاريخي وجرّد السكان من أحد أهم مصادر البروتين الطازج.

وتُظهر تقييمات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، المدعومة بتقارير برنامج الأغذية العالمي (WFP)، ومنظمة الصحة العالمية (WHO)، ومنظمة اليونيسف، أن قطاع غزة شهد إحدى أشد وأسرع أزمات الجوع والمجاعة تسجيلاً في التاريخ الحديث.

وصنفت التقارير الدولية مئات الأسرة والمواطنين ضمن "المرحلة الخامس" (مرحلة الكارثة/المجاعة)، حيث يواجه أكثر من نصف مليون شخص نقصا حادا في الغذاء وتهديدات مباشرة بالوفاة من سوء التغذية والجفاف، إلى جانب ارتفاع معدلات الهزال الحاد بين الأطفال والنساء الحوامل نتيجة عرقلة دخول الإمدادات الغذائية وتدمير المنظومة الزراعية والإنتاجية المحلية.