غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

"تأكل وتشرب بقدميها".. سارة البرش حكاية مؤلمة لطفلة خطف صاروخ إسرائيلي ذراعيها

الطفلة سارة البرش
شمس نيوز - مطر الزق

أن تشاهد طفلة صغيرة تتناول الطعام والشراب بكلتا يديها أمرٌ عادي جدا؛ لكن أن تفعل كل شيء بقدميها لتبقى على قيد الحياة فهذا مشهدٌ يَصعُب تصديقه أو تمثيله في أفلام ومسلسلات خيالية؛ إلا أن الواقع في قطاع غزة لا يخلوا أبدا من هذه المشاهد المؤلمة.

بصعوبة بالغة تحاول الطفلة سارة البرش (10 أعوام) تتناول الطعام والشراب بقدميها، إذ فقدت الطفلة قدرتها على تمشيط شعرها الجميل، وقضاء حاجتها، وتشعر بآلام شديدة فيما تبقى من ذراعيها المبتورتين جراء قصف إسرائيلي غادر خطف برائتها وسلب حريتها وقيد حركتها.

حكاية سارة الصغيرة واحدة من ألاف القصص المؤلمة في القطاع؛ فمنذ بداية حرب الإبادة التي تشنها "إسرائيل" تعرض عشرات الألاف من أطفال غزة لبتر أطرافهم.

بدأت حكاية سارة في (23/10/2024) عندما كانت تسير مع والدها في أحد شوارع جباليا البلد شمال مدينة غزة، وفجأة قصفت طائرات الاحتلال منزلا بالقرب منهما لتتناثر شظايا صواريخ الاحتلال وركام المنزل المدمر فوق رؤسهم، استشهد والدها على الفور ولم تستفيق الطفلة إلا على سرير المشفى.

الأمر صعب، صراخ وبكاء وآلام شديدة، امتزجت فيها الدموع بالدماء، وتوقفت عجلة الحياة: "ماما وين ايديا؟!"، أجابتها الأهات والدموع الاي انهمرت من والدتها "سبقوكِ ع الجنة مع أبوكِ يا روحي".

انهارت الطفلة من البكاء وهي تقول: "يعني مش راح يطلع إلي ايدين، وكمان أبوي استشهد"، عادت الطفلة تستد رأسها على الوسادة وهي تصرخ من الألم.

تنقلت سارة بين مستشفى المعمداني والخدمة العامة على مدار خمس أيام، بترت ذراعيها، وعادت لخيمة النزوح في الشيخ رضوان، تبكى استشهاد والدها وتحاول التأقلم في الحياة بدون ذراعين.

توقفت الطفل سارة برهة من الوقت خلال حديثها مع مراسل "شمس نيوز" واستعادة ذاكرتها قبل بداية حرب الإبادة: "كنت أعرف ألبس وأكتب واستحم وأمشط شعري وأكل وأشرب وألعب زي كل أطفال العالم، كنت أتمنى أكون مهندسة".

"نفسي أرجع على المدرسة، وأكتب وأرسم، كانت المعلمة تحكيلي خطك جميل جدا يا سارة"، تقول سارة وقد دقت نبضات قلبها شوقا للماضي الجميل.

وما أن بترت ذراعي الطفلة سارة حتى انقلبت حياتها رأسا على عقب، لم تعد تستطيع الكتابة أو الرسم حتى تمشيط شعرها وترتيبه بشكل أنيق، حتى اللعب مع صديقاتها بات محفوفا بالخطر الصحي والنفسي.

على بعد خطوات من سارة تجلس والدتها واضعة كفها على خدها وهي تقول بألم وحسرة: "حاولت التخفيف عن آلام بنتي لم استطع، حتى وجدت وسيلة صعبة تساهم في التخفيف من معاناتها".

بعد محاولات عدة تمكنت سارة من استخدام أقدامها في تناول الطعام والشراب، والكتابة واللعب مع صديقاتها دون حرج، تقول والدتها لمراسلنا: "بعد أسابيع عادت الروح إلى سارة وبدأت شخصيتها ترتفع ونفسيتها تتحسن".

الأمر المؤلم كما تروي والدتها: "عندما تلعب سارة مع صديقاتها تطلب منهم العاب يمكن ممارستها بالأقدام، وفي مرة ذهبت لمحل ألعاب طلبت منه ألعاب بالأقدام".

"أنا فش عندي ايدين ألعب فيهن، بدي اي اشي العب فيها برجليا"، تقولها سارة وقد غاصت في بكاء عميق، بينما والدتها تحاول تحسين شخصيتها ونفسيتها بتشجيعها باستخدام اقدامها.

وتأمل الطفلة سارة بالسفر خارج قطاع غزة لتركيب طرفين لذراعيها المبتورين، أملا في استعادة حياتها كأطفال العالم، تتمنى الطفلة أن تأكل وتشرب وتقضي حاجتها دون مساعدة من أحد.

حق سارة وفق القانون الدولي والإنساني

تُعد حالة الطفلة سارة البرش انتهاكًا صارخًا لأبسط الحقوق التي كفلتها اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل لعام 1989، والتي صادقت عليها إسرائيل ذاتها، وفي مقدمتها المادة السادسة التي تنص على حق كل طفل الأصيل في الحياة، والمادة 24 التي تكفل له أعلى مستوى ممكن من الصحة، والمادة 23 التي تولي عناية خاصة للأطفال ذوي الإعاقة وتُلزم الدول بتمكينهم من "حياة كريمة تكفل له كرامته وتعزز اعتماده على النفس". فسارة، التي فقدت ذراعيها ووالدها في لحظة واحدة، لم تُحرم فقط من طفولتها الطبيعية، بل أُجبرت على مواجهة إعاقة دائمة في بيئة تفتقر لأبسط مقومات التأهيل الطبي والنفسي، في خرق مباشر لالتزام الدول والأطراف المتحاربة بحماية الأطفال من الأذى الجسدي والنفسي في النزاعات المسلحة، كما نصت عليه البروتوكولات الإضافية لاتفاقيات جنيف.

وتتجاوز مأساة سارة حدود الإصابة الجسدية لتلامس جوهر حق الطفل في "أفضل مصالحه الفضلى" الذي تقوم عليه فلسفة الاتفاقية بأكملها؛ فحرمانها من التعليم والرسم والكتابة – وهي أنشطة أساسية لنموها المعرفي والنفسي بحسب المادة 29 من الاتفاقية التي تُلزم بتوجيه تعليم الطفل نحو "تنمية شخصيته ومواهبه وقدراته العقلية والبدنية إلى أقصى إمكاناتها" – يعكس حجم الفجوة بين ما تنص عليه القوانين الدولية وما يعيشه الواقع في غزة. كما أن حاجتها الملحة للسفر لتركيب أطراف صناعية، في ظل إغلاق المعابر وتعقيد الإجراءات، تكشف كيف تتحول الحقوق الورقية إلى شعارات فارغة حين تغيب الإرادة السياسية والإنسانية لتطبيقها، وتترك طفلة في العاشرة من عمرها تناضل وحدها لاستعادة أبسط تفاصيل حياتها اليومية.