غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

خبر بوشكين .. شاعر القرآن وشهيد الحب والثورة

آلاء السوسي 

في أسرة تنتمي إلى الطبقة الارستقراطية وُلد ألكسندر بوشكين في السادس من يونيو 1799. لأب شاعر مهتم بالآداب، أما أمه ( ناديشد أوسيبافنا) فكانت ذات نسب أفريقي، إذ تؤكد بعض البحوث أنها حفيدة الأفريقي الحبشيّ (إبراهيم هانيبال).

أما كيف وصل هانيبال الأفريقي إلى روسيا، فتلك هي إحدى الروايات التي  تفسر وصوله:

يُقال إن الأتراك اختطفوه وهو في الثامنة من عمره، وأُرسل إلى مدينة القسطنطينية؛ حيث اشتراه السفير الروسي الذي قام بإهدائه إلى القيصر بطرس الأكبر، ثم أصبح بمهاراته العسكرية واحدًا من الضباط المقربين لدى القيصر لاحقًا، وسيتأثر بوشكين بقصة جده، ويكتب “عبد القيصر بطرس الأكبر”.

في ظل هذه الأسرة الوادعة المرفهة المليئة بمظاهر البذخ الارستقراطي نما بوشكين كفتىً مدلَّل، تعتني به المربيات، وتعلم اللغة الفرنسية واطلع على آدابها، حتى التحق بالمدرسة القيصرية، ودرس فيها الأدب الفرنسي، وبدأت موهبته الأدبية بالظهور في وقت مبكر، فنشر أولى قصائده وهو في الخامسة عشر من العمر.

الكاتب الثائر

عايش بوشكين فترة مضطربة في تاريخ أوروبا بشكل عام، وروسيا بشكل خاص، إذ كانت مليئة بالصراعات والحروب، وبدايات تأجج المشاعر الوطنية. كانت بلاده تحكمها السلطة القمعية في يد القيصر ومن يناصره من طبقة النبلاء الارستقراطيين، وهي الطبقة التي انتمى إليها، وتمرد عليها في الوقت ذاته.

لم تمنع إغراءات الحياة الارستقراطية المرفهة بوشكين من الاتصال بالثوار، والكتابة عن الحرية، وقد بدأت قصائده الداعية إلى إعلان الثورة والمطالبة بالحرية، بإثارة قلق القيصر الذي ظنَّ أن بوشكين، خريج المدرسة القيصرية، سيكون شاعرًا للبلاط الملكي، لكنه خيب آماله، وكتب قصائد الثورة، أشهرها قصيدة “الحرية” التي يقول فيها:

“ألا ابتعدي عن طريقي

يا ربة الأوتار الخافتة،

أين أنتِ، أين أنت أيتها العاصفة الرجولية،

يا مغنية الحرية الفخورة؟

اقتربي ومزقي إكليلي

وحطمي قيثارتي الناعمة

أريد أن أتغنى الحرية الإنسانية

وأفضح الرذيلة في عروشها..“

حينها شعر القيصر أنه لا بدَّ من إيقاع العقوبة ببوشكين، فنفاه إلى الشمال البارد عام 1820، ثم تم تعديل المنفى إلى الجنوب نظرًا لضعف صحته، وعدم مقدرته على تحمل البرد، قال القيصر اسكندر الأول مبررا هذا النفي:

“لقد أغرق روسيا بالأشعار المثيرة التي تحفظها الشبيبة في كل مكان عن ظهر قلب.“

ظل بوشكين في المنفى أربع سنوات، عاشر خلالها القبائل المتنوعة، وتأثر بتراثها الشعبي وحكاياتها الخاصة، فقابل مسلمي القرم، والغجر، والفلاحين البسطاء، وكتب بعضًا من قصصه في ضوء هذه المقابلة.

عاد أمير الشعراء الروس من منفاه عام 1824، لكنه لم يسلم من بطش السلطة؛ إذ ظل خاضعًا لرقابة مشددة أرهقت روحه، وبعد فشل ثورة الديسمبريين1825، سأله القيصر عن موقفه من هذه الثورة فيما لو كان حاضرًا في المدينة وقتها، فأجاب بأنه كان سيكون في صفِّ المنتفضين، فلما رأى القيصر منه هذا العناد، علم أن المراقبة والنفي لم تكسرا عزيمته، وقرر أن يواجهه بطريقة أكثر دهاءً.

قرر أن يربطه بالسلطة رغما عنه، وأن يجعله كاتبًا للبلاط، ويعيده إلى حياة الترف والأضواء فوعده بأنه سيكون تنويريًا يساعد على إعلاء قيم الحرية والتنوير، بشرط أن يكون هو كاتب القيصر، وهذه المرة ستخضع أعماله لرقابة القيصر مباشرة.

لكن لم تفلح السلطة بإغوائه، وظل في صراعٍ دائم معها، وظل شعره شعلة ثورية متوقدة، يقول:

“ يا صديقي سنمنح أوطاننا مطامح أرواحنا الرائعة

ثق أيها الرفيق أن نجمة السعادة الآسرة

ستشرق حتمًا، ستنهض روسيا من نومها

وعلى حطام السلطة المستبدة

ستكتب أسماؤنا.”

شاعر القرآن

يذكر الباحثون أن الأصول الإفريقية لجده لأمِّه، ومعاشرته للقبائل الإسلامية على أطراف روسيا أثناء فترة النفي، كانا سببين رئيسين في تأثره العميق بالثقافة العربية والإسلامية، والذي ظهر من خلال الحضور الوجداني العميق للقرآن الكريم بقصصه وآياته في بعض أشعاره، وكذلك حضور التراث العربي مثل “ألف ليلة وليلة” في قصة “روسلان ولودميلا”، وهذا الإعجاب بالثقافة العربية دفعه إلى ارتداء ملابس ذات طابع عربي في حفلة تنكرية عام 1827.

 تأثر شعراء كثر بالقرآن الكريم والثقافة العربية، لكن تأثر بوشكين كان متوقدًا بعاطفةٍ وجدانية وشاعرية رهيفة، وتقول باحثة روسية ضمن فيلم تسجيلي عن حياته: “حاول مقاربة إيقاع الآيات كشاعر لا كمترجم”، وهذا ما يميز قصائد بوشكين؛ التماسه للروح الشاعرية في النظم القرآني، ومحاولة محاكاته، يقول متأثرًا بسورة الضحى:

“أقسم بالشفع وبالوتر،

وأقسم بالسيف وبمعركة الحق،

وأقسم بالنجم الصباح،

وأقسم بصلاة العشاء،

لا لم أودعك..“

ومتأثرًا بسورة النور:

“يا زوجات الرسول الطاهرات

إنكن تختلفن عن كل الزوجات

فحتى طيف الرذيلة مفزع

لكن، في الظل العذب للسكينة

عشن في عفاف فقد علق بكنَّ

حجاب الشابة العذراء

حافظن على قلوب وفية..“

إن ميول بوشكين الأخلاقية، والروحية، وجمال النظم القرآني وبلاغته، ربما تكون الباعث الأقوى لهذا التأثر، يقول بوشكين: “إن القرآن هو الكتاب الديني الوحيد الذي أذهل مخيلتي.”

شهيد الحب

كما كتب بوشكين عن الثورة، فقد كتب عن الحب، هذا الحب العفيف الذي تظهر فيه المرأة عاشقة ووفية، ولهذا، فقد جذبت أعماله الكثيرة كـ “ابنة الآمر”، و”دوبروفسكي”، و”العاصفة الثلجية”، و”أسير القوقاز”، و”أونيجين” أنظار المسرح والسينما، وتحولت إلى أفلام سينمائية، وعروض مسرحية، أو عروض باليه.

لم يكتب بوشكين عن الحب فقط، بل عاشه بكامل روحه، وربما كانت هذه الكلمات هي نبوءة الشاعر بمصيره المأساوي “يشهد الله أني مستعد للموت من أجلها، بحيث تكون أرملة رائعة حرة، كأن تختار زوجًا لها ولو في اليوم التالي لموتي، وهذه الفكرة هي جحيم حقيقي بالنسبة لي“.

وفي تجربته الخاصة، تعرف بوشكين على نتاليا الجميلة، وأحبها حبًا كبيرًا، ثم تزوجها عام 1831، وعاش معها حياة هانئة يغمرها الحب والسكينة، حتى إنه كتب لأحد أصدقائه، قائلاً:

“أنا متزوج وسعيد، لدي رغبة واحدة، وهو ألا يتغير شيءٌ في حياتي.. فأنا لا أنتظر ما هو أفضل، أشعر كأنني ولدت من جديد.“

أنجبت له نتاليا أربعة أطفال، فكتب يعبر عن فرحه بأسرته الوادعة: “أسرتي تنمو والأولاد يكبرون ويصخبون حولي.. الآن: ما من شيء يدعو إلى التذمر من الحياة، أو الخوف من الشيخوخة.“

بقدر ما منحته هذه الأسرة الأمل والطمأنينة، ظلت مشاكله مع القيصر تنغص حياته، وحين لم تنجح السلطة في كسره، اختارت الدخول إليه من باب حبه، فأثارت غيرته على زوجته التي راجت شائعات عن علاقتها الغرامية مع البارون “دانتيس”، وازدادت هذه الشائعات بعد زواج البارون من أخت نتاليا بغرض التقرب منها، حينها لم يكن هناك بدٌّ من المواجهة وفق عادات ذلك الوقت، فدعا بوشكين البارون دانتيس إلى المبارزة، هذه المبارزة التي تبدو إقدامًا على الانتحار، دفاعًا عن شرف نتاليا وشرفه.

استبق البارون المبارزة بخطوة، وهاجم بوشكين بضربة خطرة تسببت في موته بعد أيام. يُروى أنه حين كان بوشكين موشكا على الموت، وهو بين يدي نتاليا، وبروح تفيض إشراقًا، أعلن عن مباركته لزواجها القادم!

الأب الروحي للأدب الروسي

هكذا يكون بوشكين قد رحل عن العالم، بحبه الكبير، وشرفه الرفيع، في العام 1837، عن عمر يناهز 38 عامًا، دون أن يدري أنه، وبهذا العمر القصير، سيكون الأب الروحي للأدب الروسي فيما بعد، وسيكون ملهمًا لكبار شعرائه وأدبائه.

فنرى دوستويفسكي يصفه بأنه “كاتبٌ كونيَ”، ويصف جميع الكتاب الروس بأنهم مجرد تلامذة لبوشكين، يقول: ” كلنا خرجنا من معطف غوغول، ولكن، ألم يكن معطف غوغول منسوجًا من قميص بوشكين؟ “

ويقول مكسيم غوركي: “ما يزال بوشكين أكبر فخر لروسيا، و لايزال يحتفظ لنفسه بمكانة  القمة، مثل (ليوناردو دافنشي) بالنسبة للفن الأوروبي.“

أما الناقد والأكاديمي الإنجليزي ت.ج. بينيون فيرى أن سقوط بوشكين وهو في عز الشباب، ساهم في تشكيل أسطورته، فلو أنه عاش طويلاً لاضطر إلى تكرار نفسه من خلال كتابات عديدة، ولكان الناس ملوا منه، أما إنه مات وهو في أوج الإبداع، فإنه ترك وراءه ذكرى عطرة، ذكرى لا تنسى، لا تمحوها الليالي ولا الأيام.