يشهد النظام الصحي في قطاع غزة انهيارًا شبه كامل، مع عجز المستشفيات المتبقية عن أداء دورها الأساسي في علاج المرضى والجرحى، في ظل نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية وتراجع كبير في القدرة التشغيلية للمرافق الصحية.
لم تعد هذه المستشفيات تعمل كمراكز علاج بالمعنى التقليدي، بل تحولت إلى نقاط تجميع للمصابين الذين ينتظرون دورهم في تلقي الحد الأدنى من الرعاية، في وقت يُجبر فيه الأطباء على اتخاذ قرارات قاسية تُعرف بالمفاضلة الطبية، حيث يُقدَّم العلاج لمن يُتوقع نجاته، بينما يُترك آخرون دون تدخل جراحي بسبب نفاد التخدير ونقص المعدات والمواد المعقمة.
وتتفاقم معاناة المرضى الذين باتوا يُعرفون بـ"الضحايا الصامتين"، إذ يعاني آلاف الجرحى من جروح مفتوحة تتعفن وتصاب بالغرغرينا بسبب نقص المضادات الحيوية والمطهرات، ما يؤدي إلى عمليات بتر كان يمكن تجنبها في ظروف طبية طبيعية.
وفي المقابل، خرج مرضى السرطان والفشل الكلوي والسكري وأمراض القلب فعليًا من نطاق الرعاية الصحية، مع نفاد الأدوية وانقطاع الكهرباء اللازمة لتشغيل الأجهزة الطبية، ليواجهوا موتًا بطيئًا داخل الخيام ومراكز النزوح.
وتروي النازحة أم أحمد الخطيب، التي فقدت والدها المصاب بالفشل الكلوي، تفاصيل رحلته مع المرض قائلة: "كان يحتاج إلى غسيل كلى ثلاث مرات في الأسبوع، لكن مع انقطاع الكهرباء توقفت الأجهزة عن العمل، حاولنا نقله إلى أكثر من مستشفى، ولم نجد أي جهة تستطيع استقباله، بعد أيام بدأ يضعف شيئًا فشيئًا حتى توفي داخل الخيمة، لم يمت بالقصف، بل مات لأنه لم يجد علاجًا".
أما الفتاة سارة (17 عامًا)، مريضة سرطان ونازحة من شمال قطاع غزة، تقول: "كنت أتعالج بانتظام قبل الحرب، وآخذ جلسات الكيماوي في المستشفى، وكان عندي أمل أتحسن، هلا صار لي شهور ما أخدت ولا جرعة لأنه ما في دواء ولا كهربا لتشغيل الأجهزة. جسمي ضعف كتير، والشعر وقع، والألم ما يفارقني، قاعدة بالخيمة وبحس حالي عم أذبل يوم عن يوم، أكتر إشي يخوفني إني أموت وأنا لسه صغيرة، قبل ما أرجع أعيش حياتي زي باقي البنات".
من جانبه، يؤكد الدكتور محمد العطار، أحد الأطباء العاملين في مستشفى ميداني وسط القطاع، أن الواقع الصحي تجاوز مرحلة الطوارئ، موضحًا: "نحن لا نعالج المرضى كما ينبغي، بل نحاول فقط تخفيف آلامهم، في كثير من الأحيان نُجبر على الاختيار بين مصابين اثنين، ونمنح الفرصة لمن يملك احتمال نجاة أعلى، بينما يُترك الآخر بسبب انعدام الإمكانات، هذا قرار لا يمكن لأي طبيب أن يتحمله يوميًا".
ويشير إلى أن الحصار يمنع دخول المستلزمات الطبية الأساسية مثل الشاش والقطن وحقن الإنسولين وأدوية الطوارئ، كما يقيّد خروج الحالات الحرجة للعلاج في الخارج، ما يجعل البقاء داخل القطاع بمثابة حكم بالإعدام لأي مريض يحتاج إلى تدخل جراحي متقدم أو علاج تخصصي غير متوفر محليًا.
وتعمل الطواقم الطبية منذ أشهر تحت ضغط هائل دون توقف أو رواتب، مستخدمة أدوات بدائية وإمكانات شبه معدومة، في محاولة لتخفيف معاناة المرضى أكثر من قدرتها على علاجهم فعليًا.
ويتزامن انهيار النظام الصحي مع كارثة بيئية خانقة، حيث تنتشر الأمراض المعدية في مخيمات النازحين، مثل التهاب الكبد الوبائي والأمراض الجلدية وأمراض الجهاز الهضمي، وسط غياب شبه كامل للقاحات والأدوية الوقائية، ما ينذر بموجات وفاة جماعية ناجمة عن المرض وسوء الظروف الصحية، وليس القصف وحده.
