غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

بالفيديو رحلة الموت من أجل رغيف.. حين يختلط الطحين بالدم

شهداء الجوع
شمس نيوز - عبدالرؤوف زقوت

تدور عجلات الشاحنات المسرعة بجنون في طرقات غزة، تُخلف وراءها غبارا كثيفا يغشى العيون، وفيما يتعالى أزيز الرصاص فوق الرؤوس، تتجلى ملحمة إنسانية قاسية يخوضها آلاف الجوعى في قطاع المحتشدين على جانبي الطريق.

لم يكن الشاب محمد سالم يعلم الذي يروي لنا رحلته للحصول على كيس طحين يعلم أن تلك الرحلة ستتحول إلى مواجهة الموت وجها لوجه.

بدأت الحكاية من خيمة لجوء ضيقة خلت تماما من الدقيق والبقوليات وكافة أصناف الطعام.

ولم يعد بمقدور محمد وصديقه ياسر تحمّل التحديق في عيون أطفالهما الذين ينسكب الدمع بين تقاسيم وجوههم، وتعلو صرخاتهم المكتومة: "نريد أن نأكل".

وأمام الأوضاع الاقتصادية الخانقة، وارتفاع الأسعار الخيالي، وقحط الأسواق، اتخذ الصديقان قرارا مصيريا بالتوجه إلى منطقة "زكيم" شمالي قطاع غزة، باعتبارها النقطة الأقرب لمرور شاحنات المساعدات الإنسانية.

مع عصر يوم الجمعة، الموافق 25 يوليو 2025، ودّع محمد وياسر أطفالهما وعائلاتهما في حي الرمال بوسط مدينة غزة، وانطلقا نحو الشمال.

كان الوداع أشبه بـ"تسليم الروح" -كما يروي محمد- إذ لم تكن أنباء العودة أحياء من صراع الحصول على كيس طحين مضمونة قط. وعند وصولهما بالقرب من مسجد الخالدي شمال القطاع، صُدما بأعداد مهولة من المواطنين الذين يكابدون حرارة الشمس الحارقة.

فجأة، أطلت شاحنة إغاثة من بين غبار الطريق، تهيأ الصديقان للمواجهة، غير أن عجلات الشاحنات المسرعة لم تتوقف، وظلت تتجه يمينا ويسارا، لتسقط كل من تعلق بظهرها.

بين موجات الزحام المتلاطمة وبخطوات مسرعة، أمسك محمد بكيس طحين واستجمع قواه لسحبه، وسارع ياسر لمعاونته بشده بقوة، لكن دبابات الاحتلال الإسرائيلي وطائراته المسيرة باغتت الجموع بإطلاق نار كثيف ومباشر صوب الجياع.

تلقى محمد رصاصة في قدمه سقط على إثرها، وانفض الجميع هروبا من الموت المحقق، ليجد نفسه وجها لوجه أمام دبابة إسرائيلية على مسافة قريبة.

وسط الفوضى والتدافع وصيحات الجرحى والمصابين ممن أصيبوا بالرصاص أو سقطوا بسبب الازدحام، اخترق صوت ياسر هول الذهول مناديا من بعيد: "محمد. تعال إلى هنا بسرعة للاحتماء".

اضطر الشاب المصاب للزحف على الأرض المعفرة بالدم والتراب، ملقيا بجسده خلف تلة رملية صغيرة للاحتماء من الرصاص الذي يطلقه الجنود والآليات الإسرائيلية.

ومع تخييم الظلام على المكان، شقّ ياسر قطعة من ملابسه ليضمد بها جرح محمد النازف كما يستذكر الشاب- وحين هدأ صوت الرصاص قليلا، ارتكز محمد على كتف صديقه، وعادا إلى الخيمة الخاوية بخفي حنين، بلا طحين وبجسد مكلوم.

وبعد قصة نجاته، يعلن محمد بصوت يختنق بالعبرة أنه لن يعيد الكرّة والتوجه إلى تلك النقطة مجددا، متمنيا أن تتوقف الإبادة وتدخل المساعدات بطرق منظمة لإنقاذ السكان من الجوع القاتل الذي يجتاح كل بقعة في قطاع غزة.

ولا تعد تجربة محمد وياسر سوى نموذج لمأساة موثقة بالأرقام؛ حيث كشفت بيانات مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (OHCHR) ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) عن مقتل أكثر من 2,340 فلسطينيا وإصابة الآلاف أثناء محاولاتهم الحصول على الغذاء والدقيق قرب نقاط التوزيع ومسارات شاحنات الإغاثة.

ويعكس هذا الواقع ما أكده تقرير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) المدعوم أمميا، إذ يواجه 96% من سكان قطاع غزة مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي (المرحلة الثالثة أو أعلى)، فيما ينطبق وصف "المرحلة الخامسة" (مرحلة الكارثة/المجاعة) على أكثر من 495,000 شخص (نحو 22% من السكان)، حيث تعاني الأسر نقصاً شديداً في الغذاء والتضور جوعاً واستنفادا كاملاً للقدرة على المواجهة.

من جهتها، حذرت منظمة اليونيسف وبرنامج الأغذية العالمي (WFP) من التدهور المريع في صحة الأطفال والنساء الحوامل جراء الحصار المتواصل، وأوضحت التقارير الرسمية الصادرة عن المنظمتين أن عشرات الآلاف من الأطفال يواجهون خطر سوء التغذية الحاد الوخيم (SAM). فيما أشارت منظمة الصحة العالمية (WHO) إلى تسجيل وفيات مباشرة متزايدة بين الأطفال نتيجة سوء التغذية والجفاف في مستشفيات شمال القطاع التي لا تزال تعمل بشكل جزئي.

كما أكدت منظمة الأغذية والزراعة (FAO) ومكتب (OCHA) أن الحصار وتدمير الأراضي الزراعية والمخابز وبنية الصيد البحري تسببا في شلل كامل للإنتاج الغذائي المحلي؛ لتُصنّف الأزمة الحالية باعتبارها إحدى أسرع حالات الجوع المصنوعة فعلياً بفضل قيود الإمداد والحروب في التاريخ الحديث، مع عرقلة وصول شاحنات المساعدات عبر المعابر الحدودية بانتظام.