قائمة الموقع

خبر «الإصلاح الديني» بوصفه قضاءً على «الإسلام السياسي»

2015-06-14T10:39:34+03:00
صورة الكاتب

تشيع، اليوم، الدعوات العريضة للدعوة إلى “إصلاح إسلاميّ”، ليس من قِبل ذوي الفكر، ما نسمّيهم “النّخبة”، وإنّما من ذوي السّلطة، والسّلطات الملكيّة والعسكريّة في المنطقة. تُقام اليوم المحافل والمجامع من المشرق إلى المغرب لإصلاح الإسلام، وترويضه، ومحاولة الإمساك به حتى نتغلّب على جموحه. ليس المُشكل في الدّعوة إلى إصلاح الإسلام بما هي كذلك، وإنّما الإشكال بالأساس في الدّاعي وفيما وراء هذه الدعوة، وهناك سؤال أكثر جذريّة: ما الذي يجب “إصلاحه” في الإسلام؟ وعلى يدِ مَن؟

ثمّة تصوّر “ثقافويّ” تغلغل في بنية العقل العربيّ الحديث، ألا وهو تصوّر أنّ الأزمة العربيّة والتخلّف الذي نحياه لن يكون حلّه إلّا عن طريق ما هو ثقافيّ: أي محاولة إصلاح الإسلام على غرار الإصلاح المسيحيّ، وتنقية التراث بما أنّه يشكّل الذهنيّة العربيّة. فالدّين والتراث -وهما مفهومان جدّ عسيرين- هما المشكلة لما يحياه العربيّ اليوم، على مستوى تصوّراته وعلى مستوى أفعاله وتفاعله مع العالم بما هو كذلك، سياسةً واقتصادًا واجتماعًا، كما تتصوّر النخبة السياسيّة وأغلب الثقافيّة. نتصوّر أنّ التراث مُحكم قبضته على حاضرنا، في حين أنّ اختزال الفشل العربيّ الحديث في “مشكل ثقافويّ”، هو استلاب وتعمية، ويعبّر عن أزمة نخبة، بقدر ما يعبّر عن المأزق الراهن.

وبعد الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول، ابتُدعَ مصطلح “الإرهاب السّنيّ”، واستجابت الدّول العربيّة لاستراتيجيّة “محاربة الإرهاب” الداخليّ والمعولَم، في حين أنّ “محاربة الإرهاب” كانت استراتيجيّة إمبرياليّة من قبل الولايات المتحدة لإبقاء الوضع الراكد في المنطقة على ما هو عليه، وجعْل الأنظمة العربيّة الرّجعيّة في خدمة “حماية الإمبراطوريّة”، دون النّظر للديمقراطيّة الغائبة والمآزق السياسيّة والاقتصاديّة التي يعتملُ بها الواقع العربيّ. لكن، ما هي استراتيجيّة “محاربة الإرهاب” التي ستّتخذ شكلًا “ثقافويًّا” أيضًا سيكون اسمه “إصلاح الإسلام”؟

في الحقيقة، إنّ “الإرهاب” لم يقتصر في وعي الإمبراطوريّة -الولايات المتحدة- والأنظمة العربيّة على التيّارات الجهاديّة بمختلف أشكالها، إنّما هو يشمل، بشكل أساسيّ وأوّليّ، تيارات الإسلام السياسيّ؛ هذه التيارات التي تعمل وفقًا للأجندة السياسيّة، وتقبل بالديمقراطيّة، وتنشدُ إصلاحًا سياسيًّا داخليًّا. فهناك تصوّر جوهرانيّ يتمثّل في أنّ تمظهرات الإسلام -من إخوانيّة حتى جهاديّة- ذات “جذور” واحدة، وما الخلاف بين هذه التيارات المتباينة سوى خلافٍ وقتيّ؛ لأنّ النصّ المؤسّس والميثاق الأخلاقيّ واحد لهم جميعًا.

تبدّى ذلك، بجلاء، بعد محاولات إجهاض الربيع العربيّ في مصر مثلًا؛ حيث إنّ السّلطة العسكريّة للبلاد قد “حذّرت” الأزهر والمؤسّسات الدينيّة من خطر “التطرّف” و”الإرهاب” و”تخويف العالَم” باسم الإسلام، ومن ثمّ فإنّه بدعوة من الجنرال العسكريّ دخلت المؤسّسة الأزهريّة البالية في خطّة حثيثة لتجديد الإسلام وإصلاحه. لكنّ ما يُصلح في هذه الخطابات الأزهريّة المتحالفة مع الدولة التسلّطيّة، الخطابات الرديئة، ليس “الإسلام”، وإنّما ما يُصلح هو تخليص الإسلام من السياسة. بمعنى أنّ ما هو مناط الإصلاح هو إبراز كون الإسلام دينًا لا سياسة داخله، ومن ثمّ فإنّ حركات “الإسلام السياسيّ” هي دخيلة على الإسلام. لكن في الوعي الأزهريّ المؤسّسي ليسوا دخيلين، إنّما هم “خوارج”، وهو مصطلح تاريخيّ له ظروفه ومحدّداته؛ لكن الخطاب الأزهري يستخدمه حتى يستطيع التعامُل مع ظاهرة حديثة لا يملك الوعي الكافي بها، ومن ثمّ يسقط “أحكام” الخوارج عليهم؛ وذلك بالطّبع لأنّه عقل قياسيّ، لا بدّ له من مثال سابقٍ.

لذا؛ علينا أن نفهم مصطلح “الخوارج” الذي يُطلق على حركات “الإسلام السياسيّ” فيما هو أبعد من مجرد دلالته التاريخيّة على فرقة إسلاميّة، بل الخارجي في عُرف تلك المؤسسة الأزهريّة هو الخارج على القراءة التي تقدّمها للإسلام؛ القراءة التي تقول إنّه لا سياسة في الإسلام، أو أنّ يتم “تعطيل” السياسة حتى حين، وهو الذي يناهض السّلطة -حتى ولو من منطلق إسلامي أصيل- ويدعو إلى انتداب الأمّة لمهمّتها التي سرقتها منها الدولة على حين التباس تاريخي لم نكن واعين به.

إنّ الدعوة إلى “إصلاح الإسلام” هي دعوة سياسيّة بالأساس وليست دعوة ثقافيّة، أو دعوة تراعي ما في مفهوم “الإصلاح” من التباسات ومحدّدات تاريخيّة لها ظروفها. وبما أنّها دعوة سياسيّة، فلا بدّ من مقاربتها على المسطّح السياسيّ، وليس بالانخراط وراء بلاغة السلطات الرجعيّة والمؤسّسات الدينيّة البالية في العالم العربيّ.

ليست المؤسّسات الدينيّة بالعالم العربيّ على حيادٍ من السياسيّ بدعوى أنّها لا “تمارس” السياسة، إنّما السياسيّ قابع فيها، فما يجري اليوم هو محاولة مأسسة للإسلام وجعله في مؤسّسة ما للهيمنة عليه، من قبل نخبة دينيّة تكافح ليس فقط “الإسلام السياسيّ”، وإنّما لمكافحة كلّ تصورات حديثة عن السياسة والديمقراطيّة والخروج في سبيل ثورة للقضاء على إرث العسكريين والملكيين الفاسد اقتصاديًّا وسياسيًّا. وليست “محاربة الإرهاب” سوى خدمةٍ للإمبرياليّة واستلابٍ للإسلام.

تحاول السّلطة قمع “الإسلام السياسيّ”، وتشترك المؤسّسات الدينيّة التقليديّة معها في الهدف نفسه، وكلّ ذلك لأجل: مأسسة الإسلام. بمعنى، الحفاظ على الإسلام بجعله مؤسّسيًّا ومُمثَّلًا من قبل هيئة مختصّة. وليس العجيبُ أن تدعو سلطة عسكريّة أو ملكيّة لذلك، إنّما أن يدعو مفكّر عربيّ مهمّ كرضوان السيّد. فالأستاذ رضوان السيّد منذ بزوغ الربيع العربيّ وهو يقول إنّ “الإسلام السياسيّ” يحمّل الإسلام ما لا يطاق، ومن ثمّ يقترح أن تتغير علاقة الدولة والمؤسسات في العالم العربي بالدين، بحيث تغدو المؤسسة الدينيّة التقليدية مخولة بثلاث مهام، يقول الأستاذ رضوان: “إن المهمة الأصعب هي تلك المطروحة على المؤسسة الدينية وفي مجالات ثلاثة: الاهتمام بإعادة البناء الثقافي والديني، والاهتمام بإعادة الانتظام إلى المهمات الدينية (التقليدية)، والاهتمام باستحداث نهضة إصلاحية من طريق نقد عمليات تحويل المفاهيم!”.

وهذا الكلام يوضّح أنّ ما يُراد إصلاحه في الإسلام هو الشقّ السياسيّ، لكن ذلك على يد نخبة المؤسّسات الدينية المستفيدة بشكل رئيس من الدولة التسلّطية، وكلّ ذلك في سبيل هدف سياسيّ متلبّس بالثقافي: القضاء على “الإسلام السياسيّ”.

المقال يعبر عن رأي كاتبه

اخبار ذات صلة