لم تقتصر آثار الحرب على غزة على الدمار المادي وسقوط الشهداء، بل امتدت لتصيب البنية الاجتماعية في صميمها، وعلى رأسها الأسرة الفلسطينية التي شكّلت عبر عقود خط الدفاع الأول في مواجهة الأزمات؛ لكن اليوم ومع استمرار الحرب، يشهد المجتمع الغزي تصاعدًا خطيرًا في مظاهر التفكك الأسري مقارنة بما كان عليه الحال قبل اندلاعها.
وقال الأخصائي الاجتماعي محمد خالد: "نحن أمام تفكك أسري قسري وغير مسبوق، الحرب لم تترك للأسرة فرصة للتكيّف، بل ضربت أساسها من خلال الاستشهاد، النزوح، الفقد، والصدمات المتكررة".
وأضاف: "قبل الحرب كان التفكك محدودًا ويمكن احتواؤه اجتماعيًا، واليوم نتحدث عن تفكك ناتج عن فقدان أحد الوالدين أو كليهما، وعن أسر أُبيدت بالكامل، وأطفال بلا معيل أو مرجعية أسرية.
وتابع قوله: "بلا شك، نلاحظ ارتفاعًا في حالات القلق، الاكتئاب، العدوانية، والتبول اللاإرادي. الطفل الذي يفقد أسرته أو استقرارها يفقد شعوره بالأمان، وهذا أخطر ما في الأمر"، منوهًا إلى أنه إذا لم يكن هناك تدخل نفسي واجتماعي عاجل، سنواجه أزمة اجتماعية طويلة الأمد، وإعادة بناء الإنسان ستكون أصعب من إعادة بناء الحجر".
ورغم سنوات الحصار والضغوط الاقتصادية، حافظت الأسرة في غزة على قدرٍ من التماسك الاجتماعي، وكانت مظاهر التفكك محدودة نسبيًا، وتتمثل في خلافات زوجية ناتجة عن الفقر والبطالة، أو حالات طلاق بنسب منخفضة، إضافة إلى بعض مظاهر العنف الأسري التي كانت تُعالج غالبًا داخل الإطار العائلي أو المجتمعي.
ووفق تقديرات اجتماعية محلية، لم تتجاوز نسب الطلاق قبل الحرب معدلاتها الطبيعية، فيما بقيت الأسرة الممتدة (الأقارب والجيران) تلعب دورًا داعمًا في احتواء الأزمات.
ومع اندلاع الحرب، تغيّر المشهد بشكل جذري، فقد أدت حالات الاستشهاد الجماعي، والنزوح القسري، وفقدان المعيل، وتدمير المنازل إلى تفكك آلاف الأسر، إما بشكل كلي أو جزئي. وأصبحت كثير من العائلات تعيش بلا أب أو أم، بينما اضطر أطفال للعيش مع أقاربهم أو في مراكز إيواء تفتقر لأبسط مقومات الخصوصية والاستقرار.
كما تسببت الصدمات النفسية المتراكمة، والضغوط المعيشية القاسية، في تصاعد الخلافات داخل الأسر النازحة، وارتفاع حالات الانفصال والعنف الأسري، في ظل غياب شبه تام للدعم النفسي والاجتماعي.
يؤكد مختصون اجتماعيون أن ما يحدث اليوم في غزة هو تفكك أسري قسري فرضته ظروف الحرب، وليس خيارًا نابعًا من داخل المجتمع. ويحذرون من أن استمرار هذا الوضع دون تدخل عاجل سيخلّف آثارًا طويلة الأمد على النسيج الاجتماعي، خاصة على جيل الأطفال واليافعين.
الحرب على غزة لم تدمّر الحجر فقط، بل ضربت الروابط الإنسانية في عمقها، وبين ركام البيوت المدمّرة، تتفكك أسر، وتضيع طفولة، ويُثقل المجتمع بجراح اجتماعية قد تحتاج سنوات طويلة للشفاء، وفي ظل هذا الواقع، تبقى الأسرة الفلسطينية صامدة بقدر ما تستطيع، لكنها اليوم بحاجة ماسّة إلى حماية ودعم قبل أن تتسع دائرة التفكك أكثر فأكثر.
