لم تكن العودة إلى حيّ الكتيبة في خانيونس عودةً إلى المكان كما كان، بل إلى ذاكرةٍ مثقلةٍ بالركام، وشارعٍ بلا ملامح، وبيوتٍ لم يبقَ منها سوى أطلال، حيٌّ كان يومًا نابضًا بالحياة، لم يتبقَّ منه سوى خمسة بيوت تقف كالشهود على حربٍ مرّت من هنا ولم تترك خلفها سوى الفراغ، ومع ذلك، في قلب هذا الخراب، فُتحت مدرسة، ودارت محطة مياه، كأن الحياة تُصرّ على أن تبدأ من جديد، ولو بخطواتٍ مرتجفة.
مديرة مدرسة الأحمد، ميّ الفرا، تقول: "إن قرار افتتاح المدرسة لم يكن خيارًا عاديًا، بل موقفًا أخلاقيًا"، مؤكدةً أن التعليم حقٌّ أساسي لا يمكن التنازل عنه.
وأضافت: «بدون التعليم لا قيمة للإنسان، فهو أساس قيام الحضارات والتقدّم، وأينما وُجدت مدرسة وُجد الأمل بمستقبل قادم لهؤلاء الأطفال الذين حُرموا من الأمن والمأكل والملبس والتعليم».
وأشارت الفرا إلى أن المدرسة لم تكن مبنى فحسب، بل رسالة أمل وتحدٍّ وصمود، معبّرةً عن حبّ الفلسطينيين للعلم وتمسّكهم به.
وتتابع: «كانت فرحتنا كبيرة بعدد الطلبة الذين توافدوا للتسجيل، ليعوضوا ما فاتهم من العلم خلال العامين الماضيين»، معربةً عن أملها في الاستمرار رغم ثقل المسؤولية.

وعلى بُعد خطوات من المدرسة، يقف أبو يحيى الفرا، أحد سكان الحي، مستعيدًا صورة المكان قبل الحرب، حين كان ، كما يقول : "تحفة فنية صنعها أبناؤه، بإضاءته وتزيين شوارعه». أمّا اليوم، فيصف الحي بأنه منطقة منكوبة ومدمرة بالكامل، بلا بيوت ولا محلات ولا بنية تحتية ولا مياه.
وبنبرة من اليأس قال: "حين تنظر إلى الحي تعتقد أن قنبلة نووية أُلقيت عليه"، ورغم ذلك، يؤكد أبو يحيى أن الأمل لم يمت، مشيرًا إلى محاولات شبابية لإعادة جزء من الحياة، عبر تنظيف الشوارع، وإزالة بعض الركام، وفتح محال تجارية، والسكن فيما تبقى من البيوت.
ويختم حديثه قائلًا: «نحب الحياة ونريد أن نعيشها جميلة بعيدًا عن الحروب والدمار، ولدينا من العزيمة ما يبرر حبنا لإعادة الحياة لحينا».
لمتابعة آخر المستجدات الميدانية والسياسية للحرب على غزة اشترك بقناة شمس نيوز على منصة تيلجرام
ولأن الحياة لا تكتمل دون ماء، كان لا بد من تشغيل محطة المياه، حتى في حيٍّ شبه خالٍ من السكان. مسؤول المحطة، عدي الفرا، يوضح أن الدافع كان إنسانيًا قبل أي اعتبار آخر، قائلًا: «هذا الحي ما زال جزءًا من المدينة وله أهله، ووجود محطة المياه رسالة صمود وتأكيد على حق الناس في الحياة والخدمات الأساسية».
ويشير إلى أن افتتاح المدرسة ووجود مرافق حيوية فرضا ضرورة تشغيل المحطة، رغم التحديات الكبيرة، وعلى رأسها دمار البنية التحتية، والانقطاع شبه الدائم للكهرباء، وصعوبة توفير الوقود وقطع الغيار، فضلًا عن خطورة الوصول إلى الموقع في بعض الفترات. ورغم ذلك، يؤكد أن الطاقم أصرّ على العمل بما هو متاح، لأن الماء هنا ليس رفاهية، بل شرطًا للبقاء.
في حيٍّ لم تُشبه فيه العودة ما كان، تُكتب اليوم حكايةٌ مختلفة، حكاية مدرسةٍ فتحت أبوابها وسط الركام، ومحطة مياه تحدّت التحديات، وأهالٍ تمسّكوا بحقهم في الحياة، قد لا يكون المكان كما كان، لكن الإرادة ما زالت هنا، تُعيد تعريف العودة، لا كرجوعٍ إلى الماضي، بل كإصرارٍ على صناعة مستقبلٍ من قلب الدمار.

