غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

مواقد صامتة في غزة.. أمهات يطهون الجوع بصبر ودموع

موقد النار في غزة
شمس نيوز - نضال أبو شربي

تحت الركام، صمتت مواقد الغاز، وتحولت المطابخ في غزة من مساحة دافئة يجتمع حولها أفراد الأسرة إلى رمز للمعاناة اليومية، وبقيت الأمهات وحدهن في مواجهة الجوع، يحاولن بيديهن تحويل العدم إلى وجبة تبقي أطفالهن على قيد الحياة، يقدمن الطعام ليس فقط لسد الجوع، بل لإشعال كرامة وصبر وحب لا ينضب رغم الصعاب.

في غزة، لم يعد المطبخ مساحة دافئة تجتمع فيها الأسرة حول رائحة الطعام، بل تحوّل إلى حلم مؤجل، أمهات كثيرات وجدن أنفسهن وجهاً لوجه مع سؤال يومي قاسٍ: كيف نُطعم أبناءنا بلا غاز، بلا أوانٍ، وبلا أبسط مقومات الطهي؟

وسط الركام والخيام، تصنع الأمهات في غزة معجزات صغيرة، محاولات يائسة للحفاظ على وجبة تسد الجوع، وتمنح أطفالهن إحساسًا مؤقتًا بالأمان.

وفي احدى مراكز الايواء بمدينة غزة وجدت أم محمد (42 عامًا – نازحة من شمال غزة) تقيد النار من أجل احضار طعام الغذاء لأبنائها وزوجها العائد من عمله وهنا تتحدث باكية: "كنت أطبخ يوميًا لأسرتي، اليوم لا غاز ولا طناجر، أطبخ على الحطب، والدخان يخنقني ويخنق أطفالي، لكن ماذا أفعل؟ إن لم أطبخ، ينامون جائعين".

وتفيد أم محمد أيضا منذ اندلاع الحرب، فقدت آلاف العائلات مطابخها إما بالقصف أو النزوح القسري، لم يعد الغاز متوفرًا، وأصبحت الأدوات المنزلية من الكماليات النادرة.

وتؤكد أم محمد باننا نلجأ إلى وسائل بدائية للطهي، مثل إشعال النار بالحطب، أو بقايا الأخشاب والبلاستيك، وسط مخاطر صحية وبيئية جسيمة.

في الخيام أو داخل مدارس الإيواء، تجلس الأم ساعات طويلة لتشعل نارًا صغيرة، تضع فوقها علبة معدنية أو قطعة حديد بديلة عن الطناجر، بينما يحيط بها أطفالها ينتظرون وجبة قد لا تكتمل.

تقول أيضا الأمهات إن أصعب ما يواجهنه ليس الجوع فقط، بل الإحساس بالعجز أمام أطفال يسألون عن طعام لا تملك وسيلته، أو عن وجبة ساخنة اعتادوا عليها قبل الحرب.

في الخيام ومدارس الإيواء، لا جدران تحمي النار ولا أدوات تحفظ الطعام، قطعة حديد صدئة، علبة فارغة، وبقايا خشب تُجمع من الطرقات، هذا هو المطبخ الجديد.

تجلس الأم بمعاناة شديدة، تحرك الطعام بالعصا، بينما الدخان يملأ عينيها، فتغضّ الطرف عنه كي لا يراه أطفالها دموعًا ومأساة الطهي مستمرة وهي عبارة عن معركة يومية، الطهي لم يعد روتينًا منزليًا، بل معركة تبدأ بالبحث عن الحطب، ولا تنتهي إلا بوجبة قد لا تكفي الجميع.

كل شرارة نار تحمل خوفًا من حريق، وكل نفس دخان يحمل خطر مرض، ومع ذلك تستمر الأم، لأن الجوع لا ينتظر.

أما الحاجة أم سعيد متواجدة على باب الخيمة (35 عامًا – تقيم في خيمة) بالقرب من مفترق الطيران، وهي تنظر للسماء شاكية متى ستفرج علينا يارب من هذه المأساة والذل الذ نعيشه واقتربت منها وتحدثت وقالت عن معانتها اليومية نحن أحيانا ننتظر المساعدات لأنها لا تحتاج طهي، أما الطبخ فهو معركة بحد ذاته. أجمع خشب من الشارع وأشعل النار، وأخاف على أطفالي من الحريق أو الاختناق."

واما جنى ابنة الحاجة ام سعيد بدموع حارقة كان لدينا مطبخ طوله ست امتار بأربعة ومطبخ فخم ورائع جدا وبحسرة أمي تتعب كثيرًا، عيونها تحمر من الدخان، وأحيانًا ما نأكلش إلا خبز يابس."

يؤكد مختصون أن الطهي بوسائل بدائية يؤدي إلى مشاكل تنفسية خطيرة، خاصة للأطفال وكبار السن، إضافة إلى مخاطر الحروق وانتشار الأمراض بسبب غياب النظافة والأدوات المناسبة.

كما أن فقدان القدرة على الطهي المنتظم يؤثر على التغذية السليمة، ويزيد من نسب سوء التغذية بين الأطفال.

وهنا يجلس الأطفال حول النار الصغيرة، يراقبون أيدي أمهم، لا يسألون كثيرًا، فقد تعلّموا الصمت مبكرًا، وجبة بسيطة قد تعني لهم يومًا كاملًا من الصمود، وابتسامة صغيرة تعني أن الأم نجحت اليوم في الانتصار على العجز.

والسيطرة على الدخان الأسود الذي لم يعد أثرًا للنار، بل شاهدًا على معاناة صامتة.

يدخل صدور الأطفال، يختنقون، تسعل الأم، لكن الوجبة يجب أن تكتمل، هنا، يُطهى الطعام بنَفَسٍ مقطوع، وتُقدّم الوجبة ساخنة بينما قلب الأم محترق.

في غزة، الأم ليست فقط عمود البيت، بل أصبحت نار المطبخ، والغاز، والقدر، والصبر.

تطهو الأمهات اليوم بقلوب مثقلة وأيدٍ فارغة، لكن بإرادة لا تنكسر. وبين دخان الحطب ودموع التعب، تبقى رسالتهن واحدة: نريد فقط وسيلة لنطعم أبناءنا بكرامة.

فهل يسمع العالم أنين أم بلا مطبخ؟