قائمة الموقع

الولادة في زمن الحرب: أمهات يلدن من رحم المعاناة

2026-01-05T22:45:00+02:00
طفلة حديثة الولادة في غزة.jpg
شمس نيوز -نضال أبو شربي

في زمنٍ تُقصف فيه المستشفيات قبل البيوت، وتُغلق فيه الطرق أمام سيارات الإسعاف، لا تتوقف الحياة عن طرق الأبواب. 

في غزة، يولد الأطفال على أصوات القصف، لا في غرف معقمة، بل في خيام مهترئة، أو منازل مدمرة، أو ممرات ضيقة بلا كهرباء ولا ماء. 

هنا، تتحول الولادة من لحظة فرح منتظرة إلى معركة بقاء تخوضها الأم وحدها، بجسد منهك وقلبٍ مرتجف، في ظروف تفتقر لأدنى مقومات الإنسانية.

تقول القابلة منال محمد وهي تعمل متطوعة بإحدى مستشفيات مدينة غزة: أحيانًا أجري الولادة على ضوء الهاتف، بلا أدوية مسكنة، ولا معدات تعقيم كافية. الخطر يحيط بالأم والطفل، لكن لا خيار آخر”

وتؤكد بأن الألم لا يقتصر على معاناة النساء من ألم المخاض فقط، بل يتضاعف مع سوء التغذية، وفقر الدم، والضغط النفسي الشديد. الخوف من فقدان الجنين، أو النزف دون إمكانية إسعاف، يحوّل لحظات الولادة إلى ساعات رعب حقيقية.

وتروي آمنة (28 عامًا) تجربتها: أنجبت طفلي في خيمة نازحين..كنت أسمع القصف قريبًا، ولا يوجد طبيب..كنت أخشى أن أموت ويكبر طفلي يتيمًا منذ لحظته الأولى”.

أطفال يولدون في حضن الخطر؛ فالأطفال الذين يولدون في هذه الظروف يواجهون منذ اللحظة الأولى نقص الحاضنات، والأدوية،والتطعيمات؛ ما يعرضهم لمضاعفات صحية خطيرة. بعضهم لايُسجَّل رسميًا؛ لأن الأهل لا يستطيعون الوصول إلى المؤسسات المختصة.

في العادة، تحاط المرأة أثناء الولادة بعائلتها، لكن الحرب فرّقت العائلات، واستشهد كثير من الأزواج. تلد بعض النساء وهنّ وحيدات، يحملن الألم والمسؤولية معًا، في صمتٍ ثقيل.

تقول سمر (35 عامًا)، أرملة وأم لخمسة أطفال استشهد زوجها خلال نزوحها من مدينة شمال غزة: لقد وضعت مولودي وأنا أفكر كيف سأطعمه؟ كيف سأحميه؟ حتى الحليب أصبح حلمًا”.

وهنا نستعرض إليكم بعض آراء الأمهات اللواتي أنجبن في ظروف قاسية وتحت القصف والدمار.

أما أم لينا محمد (32 عامًا)، نازحة من شمال غزة تضيف تجربتها "جاءني المخاض ليلًا، لم يكن هناك طريق للمستشفى، والقصف كان متواصلًا..وضعت طفلتي على الأرض داخل الغرفة، بلا سرير ولا إضاءة..كنت أصرخ من الألم وأكتم صوتي خوفًا على أطفالي الآخرين، عندما سمعت بكاء طفلتي، بكيت معها، ليس فرحًا فقط، بل لأننا نجونا”.

في المقابل تسجل أخرى وهي قابلة قانونية شهادتها مرادفة " نواجه حالات خطيرة جدًا، نزيف حاد، ولادات مبكرة، ولا توجد مستلزمات..أحيانًا نضطر لاستخدام أدوات غير مخصصة طبيًا.

وتطرقت للجوانب النفسية في عملها بقولها : أكثر ما يؤلمني أنني أخرج من بعض الحالات وأنا أعلم أن الأم أو الطفل بحاجة لرعاية لا أستطيع توفيرها”.

وعن تأثير الحرب تحدثت عن الجوانب التي سببتها على صحة الطفل والمرأة على حد سواء "الحرب رفعت نسبة الولادات القيصرية الطارئة، والإجهاض، والولادات المبكرة، والضغط النفسي وسوء التغذية (..) نحن نعمل في ظروف لا تصلح لأي عمل طبي، ومع ذلك نحاول إنقاذ الأرواح بما توفر”.

أما مريم (25 عامًا)، وهي زوجة شهيد تجسد مشاهد معاناتها بوصفها "أنجبت طفلي بعد استشهاد والده بأيام، كنت أضعه على صدري وأقول له والدك استشهد ليحميك(..) لم أشعر بالأمان، لكنني شعرت أن طفلي أمانة يجب أن أتمسك بها مهما كانت الظروف”.

وهنا قالت إحدى الناشطات في العمل الإغاثي، أم كرم “نحاول توفير حقائب ولادة طارئة، لكنها لا تكفي أمام الأعداد الكبيرة(..)ما يحدث انتهاك واضح لحق النساء في الرعاية الصحية الآمنة، ونخشى من ارتفاع وفيات الأمهات والمواليد إذا استمر الوضع على ما هو عليه”.

تعكس هذه الشهادات حجم المأساة التي تعيشها النساء الحوامل في زمن الحرب، حيث تتحول الولادة من حدث طبيعي إلى تجربة قاسية محفوفة بالمخاطر. 

وأشارت إلى أن أصوات الأمهات والقابلات والأطباء ليست مجرد روايات فردية، بل صرخة جماعية تطالب بالحق في الحياة، والرعاية، والأمان.

في غزة، لا يولد الأطفال فقط، بل تولد معهم قصص صمود لا تُروى كاملة؛ أمهات ينجبن الحياة في أقسى الظروف، متحديات القصف والجوع والخوف، ليقلن للعالم إن الحياة أقوى من الحرب، لكن ثمنها هنا فادح؛ لتبقى ولادات الحرب شهادة إنسانية مؤلمة، ونداءً عاجلًا لإنقاذ الأمهات والأطفال، قبل أن تتحول لحظة الميلاد من رمز للحياة إلى رقم جديد في سجل المأساة.

اخبار ذات صلة