غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

يوم الشهيد الفلسطيني : من الذاكرة إلى المسؤولية والوفاء في زمن الإبادة

شمس نيوز - متابعة

في السابع من يناير من كل عام يقف الفلسطينيون أمام يوم الشهيد لا بوصفه محطة عاطفية عابرة بل كموعد مفتوح مع الذاكرة والحقوق والمسؤولية. هو يوم يستحضر سيرة من فقدوا حياتهم دفاعا عن الحرية والكرامة ويعيد طرح سؤال جوهري حول ما الذي يعنيه استشهادهم في حاضر يزداد قسوة ومستقبل يتطلب أفعالا تتجاوز الخطاب.

وأعلن عن هذا اليوم في العام 1969، وهو اليوم الذي يصادف ذكرى ارتقاء أول شهيد في الثورة الفلسطينية المسلحة، وهو الشهيد القائد أحمد موسى سلامة الذي استشهد عام 1965، بعد أن نفّذ عمليته البطولية “نفق عيلبون”، ليكون يوما وطنيا.

ولا يحضر هذا اليوم بوصفه مناسبة رمزية فقط بل باعتباره لحظة مراجعة جماعية للذاكرة الوطنية وللحقوق المترتبة على هذا الفقد المستمر منذ أكثر من سبعة عقود.

الشهيد في الوعي الفلسطيني والذاكرة الحية

يوم الشهيد الفلسطيني هو يوم وطني وإنساني بامتياز؛ فبالنسبة لعائلات الشهداء هو يوم اعتراف علني بالخسارة التي غيرت مجرى حياتهم، وبالنسبة للمجتمع هو تذكير بأن الحرية لم تكن يوما بلا ثمن.

الشهيد في الوعي الفلسطيني ليس رقما في بيان ولا صورة في أرشيف، بل هو اسم محفور في الذاكرة الجماعية وحكاية تعيش في البيوت والشوارع والمدارس.

في الحياة اليومية يحضر الشهيد في صور معلقة على الجدران وفي قصص تروى للأطفال قبل النوم وفي مقعد فارغ على مائدة العائلة.

الشهيد هو الابن والأخ والجار الذي غاب جسدا وبقي أثرا في تفاصيل الحياة.

تقول حنين أم الشهيد أحمد أن هذا اليوم يعيد فتح الجرح لكنه يمنحها شعورا بأن ابنها لم يغب عن الوعي العام. ويقول والد الحاج أحمد إن يوم الشهيد لا يعوض الفقد لكنه يبقي الذاكرة حية لتكون عصية على المغفرة والنسيان.

ويشير والد شهيد آخر إلى أن أقسى ما يخشاه هو أن يتحول الاستشهاد إلى خبر اعتيادي يفقد معناه.

يطرح هذا اليوم أسئلة تتجاوز العزاء: كيف نحافظ على ذاكرة الشهيد دون تحويلها إلى عبء على الأحياء؟ وما مسؤوليتنا تجاه أسرته بعد انقضاء التشييع؟ وكيف يمكن نقل معنى التضحية إلى الأجيال الجديدة بلغة إنسانية تركز على الكرامة والحقوق لا على تمجيد الألم والموت؟.

في هذا السياق يصبح استحضار الشهيد فعلا حقوقيا يواجه محاولات محو الرواية الفلسطينية، وحديثا عن حق الإنسان في الحياة الحرة وعن رفض الظلم لا عن الاحتفاء بالفقد، وفق الحقوقي أحمد أبو زهري.

أرقام تكشف حجم الفاجعة

الأرقام تكشف حجم الفاجعة الممتدة، فمنذ نكبة عام 1948 تجاوز عدد الشهداء الفلسطينيين 172 ألف شهيد.

وخلال حرب الإبادة المتواصلة على قطاع غزة ارتفع العدد التراكمي للشهداء إلى نحو 71 ألفا و391 شهيدا في واحدة من أكثر الفترات دموية في التاريخ الفلسطيني الحديث.

خلف هذه الأرقام تقف عشرات آلاف الأسر التي فقدت أبناءها ومعيليها وتواجه اليوم واقعا اقتصاديا ونفسيا واجتماعيا بالغ القسوة.

حقوق الشهداء

وتمثل حقوق أسر الشهداء تمثل الامتحان الحقيقي لمعنى يوم الشهيد؛ فهذه الأسر لا تحتاج إلى التكريم الرمزي وحده بل إلى إنصاف عملي يضمن توفير المأوى اللائق والحماية الاجتماعية والإغاثة والعلاج والتعليم والدعم النفسي طويل الأمد.

ومع الحرب الوحشية، تسبب فقدان المعيل لآلاف الأسر دفع الكثير من العائلات إلى حافة الفقر وأجبر أطفالا على ترك مقاعد الدراسة في ظل عدوان صهيوني لا يتوقف حصار وتدهور اقتصادي متواصل.

المسؤولية هنا جماعية ومتعددة المستويات، وفق الخبراء، فعلى المستوى الفردي تتجسد في المبادرات المجتمعية والتكافل المحلي.

وعلى المستوى الرسمي في تحويل يوم الشهيد إلى سياسات عامة بدعم وبرامج حماية شاملة، لا بقطع الرواتب ورفض الاعتماد بحق آلاف عائلات الشهداء!.

أما المجتمع المدني فله دور محوري في الرصد والمساءلة وتطوير برامج التأهيل والتمكين، وعلى الصعيد العربي والإسلامي تبرز الحاجة إلى أطر دعم مؤسسية عبر صناديق تكافل دائمة ومنح تعليمية وبرامج تدريب تضمن الاستقلال والكرامة لأسر الشهداء.

يوم الشهيد ليس ذكرى منتهية بل التزاما مفتوحا، هو دعوة لتحويل الذاكرة إلى فعل والوفاء إلى عدالة والسياسة إلى حماية حقيقية لحقوق من دفعوا الثمن الأعلى ولا تزال عائلاتهم تنتظر الإنصاف.

يبقى السؤال مفتوحا في يوم الشهيد الفلسطيني، هل نكتفي بالذكرى أم نحولها إلى التزام مستمر؟ وما المبادرة التي يمكن لكل فرد أو مؤسسة إطلاقها في محيطه القريب؟

ويبقى يوم الشهيد ليس نهاية الحكاية بل اختبار سنوي لصدق الذاكرة وعدالة الفعل.