في تصعيد إعلامي وأمني متزامن، فتح ملف سلاح "حزب الله" جنوب نهر الليطاني على مصراعيه، لكن هذه المرّة من زاويتين متناقضتين بالكامل: رواية لبنانية رسمية تؤكد التقدّم في خطة حصر السلاح وبسط سلطة الدولة، في مقابل رواية إسرائيلية هجومية تشكك بكل ما يُعلن في بيروت، وتزعم ان لبنان يقدم مجرّد «عرض إعلامي» يهدف إلى شراء الوقت وتخفيف الضغوط الدولية.
هذا التناقض لم يعد تقنيًا أو تفصيليًا، بل بات يعكس صراع سرديات قد يتحوّل، وفق المؤشرات الإسرائيلية، إلى صراع ميداني في أي لحظة.
هجوم «معاريف»: نزع السلاح مسرحية سياسية
صحيفة «معاريف» الإسرائيلية شنّت هجومًا مباشرًا على قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، معتبرة أن الإعلان المرتقب عن التقدّم في ملف نزع سلاح حزب الله جنوب الليطاني لا يعدو كونه «مسرحية سياسية» لا تعكس الواقع على الأرض.
المراسل العسكري للصحيفة آفي أشكنازي ذهب أبعد من ذلك، رابطًا بين ما سيُعلن في بيروت والتطورات العسكرية في غزة، معتبرًا أن مسار التصعيد المقبل سيتحدد بين الساحتين اللبنانية والفلسطينية.
وبحسب الصحيفة، فإن حزب الله لم يُجرّد من سلاحه جنوب الليطاني، بل يواصل إعادة ترميم بنيته العسكرية، فيما يتهم الجيش اللبناني بتقديم تقارير «غير دقيقة» للقيادة السياسية اللبنانية.
لم تكتفِ إسرائيل بالتشكيك، بل أعلنت، عبر «معاريف»، الاستعداد لإطلاق حملة إعلامية مضادة يقودها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي باللغة العربية أفيخاي أدرعي.
هذه الحملة، وفق الصحيفة، ستتضمن نشر صور ومقاطع مصوّرة تزعم وجود مخازن أسلحة وبنى عسكرية لحزب الله داخل مناطق مدنية جنوب لبنان، بهدف التأثير على الرأي العام المحلي والدولي، ولا سيما في فرنسا والولايات المتحدة والسعودية.
الرسالة الإسرائيلية واضحة وهي تزعم ان “نزع السلاح” لم يحصل، وان الجيش اللبناني لا يقوم بالمهمة، وإذا فشلت الضغوط الدبلوماسية، فـ«إسرائيل» تحتفظ بحق تنفيذ المهمة بنفسها.
الجيش اللبناني: المرحلة الأولى أُنجزت
في المقابل، أعلن الجيش اللبناني رسميًا أن خطته لحصر السلاح بيد الدولة دخلت مرحلة متقدمة، بعد تحقيق أهداف المرحلة الأولى التي ركزت على بسط السيطرة جنوب نهر الليطاني، أي على شريط يمتد نحو 30 كيلومترًا حتى الحدود مع إسرائيل.
وأوضح الجيش في بيانه أن العمل لا يزال مستمرًا لمعالجة الذخائر غير المنفجرة والأنفاق، بهدف منع الجماعات المسلحة من إعادة بناء قدراتها، مشيرًا إلى أن السيطرة العملياتية باتت شبه كاملة باستثناء المناطق المحتلة من قبل إسرائيل.
لكن الجيش لم يُخفِ العقبات، محمّلًا الاحتلال الإسرائيلي واستمرار الاعتداءات وإقامة مناطق عازلة مسؤولية إعاقة استكمال بسط سلطة الدولة وحصر السلاح.
الحكومة اللبنانية: تثبيت المسار وتوسيعه شمالًا
سياسيًا، عقد مجلس الوزراء جلسة خُصّصت لبحث استكمال تطبيق قرار «حصرية السلاح»، وأعلن وزير الإعلام بول مرقص أن الحكومة أثنت على جهود الجيش جنوب الليطاني، وقررت الشروع في إعداد خطة مماثلة شمال النهر، على أن تُعرض خلال شهر شباط.
وأكد مرقص أن قائد الجيش سيقدّم تقارير دورية إلى الحكومة، تُبنى عليها القرارات اللاحقة، في مسار تدريجي لبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.
في المقابل، عكست مواقف الوزراء تباينًا واضحًا:
وزير العدل شدد على تسريع التنفيذ، وزير الصحة اعترض على الصيغة النهائية، فيما اعتبر وزير الصناعة أن وجود سلاح غير شرعي يعيق تقدم لبنان، وأن الجيش لا يستطيع تنفيذ المهمة وحده من دون استعداد الطرف الآخر لتسليم سلاحه.
الرواية الإسرائيلية الأمنية: حزب الله باقٍ ويُعيد بناء قوته
إذاعة الجيش الإسرائيلي ووزارة الخارجية الإسرائيلية قدّمتا رواية أكثر تفصيلًا وحدة.
بحسب مسؤولين أمنيين إسرائيليين، لا يزال حزب الله يحتفظ بعناصر ووسائل قتالية جنوب الليطاني، ويواصل إعادة بناء قوته بدعم إيراني مباشر، سواء عبر ضخ الأموال أو عبر عناصر من فيلق القدس يعملون تحت «غطاء دبلوماسي».
وتؤكد إسرائيل أن إنفاذ القانون الذي يقوم به الجيش اللبناني يتركز على مواقع مفتوحة، فيما لا يدخل إلى «مراكز الثقل» الفعلية: المناطق المبنية، الأنفاق العميقة، والمخازن تحت الأرض.
الأرقام والقدرات: ما الذي تغيّر فعليًا؟
وفق تقدير الجيش الإسرائيلي:
خطة التسلل إلى الجليل التي أعدتها قوة الرضوان غير جاهزة.
عناصر الرضوان تراجعوا عن خط الحدود.
عدد مقاتلي القوة بات نحو 2000 مقاتل، بعد خسائر كبيرة.
الترسانة الصاروخية لا تزال ضخمة، لكنها فقدت القدرة على إطلاق آلاف الصواريخ يوميًا كما قبل 7 تشرين الأول.
لكن إسرائيل تؤكد في المقابل أن الحزب لا يزال يحتفظ بقدرات قنص، وصواريخ مضادة للدروع، وبنى تحت أرضية كبيرة لم تُمسّ.
بين الدولة والتهديد: إلى أين يتجه الصدام؟
بين إعلان لبناني عن التقدّم، وتشكيك إسرائيلي يصل حد التهديد بالتدخل المباشر، يقف ملف سلاح حزب الله عند مفترق بالغ الخطورة.
لبنان الرسمي يحاول تثبيت مسار تدريجي لتفادي الانفجار، فيما ترى إسرائيل أن هذا المسار بطيء وغير جدي، وقد لا يمنعها من الانتقال إلى خيارات أكثر تصعيدًا.
هنا، لا يبدو التناقض مجرد خلاف في التقييم، بل صراعًا مفتوحًا على تعريف «السيادة»، وعلى من يملك قرار السلم والحرب جنوب الليطاني… وربما أبعد من ذلك.
المصدر: جنوبية