قائمة الموقع

حرب وأمومة ووطن: كيف تصنع أرملة غزة حياةً وسط الركام؟!

2026-01-11T11:34:00+02:00
ارامل وطن
شمس نيوز – نضال أبو شربي

 

لم تترك الحرب على غزة دمارًا ماديًا فقط، بل خلّفت فراغًا إنسانيًا عميقًا في بيوت فقدت معيلها، وفي قلوب نساء استيقظن ذات صباح ليجدن أنفسهن وحدهن في مواجهة الحياة. 

بين ركام المنازل وخيام النزوح وطوابير المساعدات الطويلة، تقف الأرملة الغزية حاملة عبئًا مضاعفًا: عبء الفقد وعبء الاستمرار من أجل أطفال لم يعد لهم سواها.

في غزة، لم تكن الحرب مجرد صواريخ ودمار، بل زلزالًا اجتماعيًا أطاح باستقرار آلاف الأسر، وترك النساء في مواجهة مصير قاسٍ. بين النزوح المتكرر وفقدان الزوج وانهيار مصادر الدخل، وجدت الأرامل أنفسهن فجأة في موقع الأم والأب، الحامية والمعيلة، وسط واقع لا يرحم.

تحمل المرأة الفلسطينية، خصوصًا الأرملة، العبء الأكبر من تداعيات الحرب. بعد استشهاد الزوج، لا يقتصر الفقد على الألم العاطفي، بل يمتد ليشمل المسؤولية الكاملة عن الأسرة في ظل غياب الأمان، وانعدام الخصوصية داخل مراكز النزوح أو الخيام، وندرة الموارد الأساسية.

قصص صمود

في شارع الثلاثيني، التقيت السيدة أم محمد، أرملة فقدت زوجها منذ أكثر من عشرين عامًا، وعاشت مأساة متكررة خلال هذه الحرب بفقدان أبنائها وأحفادها. تقول: "كنت زوجة فقط، وعندما فقدت زوجي أصبحت رب الأسرة، اليوم تكررت معاناتي وأصبحت كل شيء لأطفالي وأحفادي، أخاف أن أنهار أمامهم، لكن أبتلع وجعي وأكمل."

أم أحمد، التي فقدت زوجها أثناء محاولته تأمين الخبز، تقول: "لم أعد أبكي عليه فقط، بل أبكي على أطفالي، على مستقبلهم المجهول، وعلى ضعفي أمام احتياجاتهم."

أم خالد، 35 عامًا، أرملة وأم لخمسة أطفال، تروي: "عندما استشهد زوجي شعرت أن ظهري انكسر. لم يكن لدي وقت للحزن، أطفالي كانوا ينظرون إليّ وكأنهم يسألون: ماذا سنفعل الآن؟"

في خيام مكتظة وفي ظل نقص المياه وغياب الخصوصية، تحاول هذه النساء توفير شعور زائف بالأمان لأطفالهن، بينما يواجهن صدمات نفسية مركبة من فقدان الشريك والخوف المستمر على المستقبل والاكتئاب.

صمود بلا ضجيج

رغم وجود مساعدات إنسانية، إلا أن الأرامل يشكين من عدم انتظامها وعدم كفايتها، خصوصًا للأسر التي فقدت معيلها. يضيفن صعوبة الوصول إلى المساعدات بسبب الازدحام أو غياب جهة ترافقهن.

أم مصطفى تقول:"أحيانًا أعود بلا شيء، أعود بخيبة فقط. أقول لأطفالي: اليوم ما في رزق، ورغم كل هذا، نستمر بالصمود دون ضجيج. لا نرفع شعارات، ولا نطلب الشفقة، بل نريد حقًا بسيطًا: أن تعيش أسرنا بكرامة."

في خيمة صغيرة، تعلق بعض الأرامل صورة الزوج على طرف القماش، مؤكدات لهن: "سأحافظ على أولادنا مهما كان الثمن."

المرأة الفلسطينية عمود المجتمع

في غزة، لا تُقاس الحرب بعدد الغارات فقط، بل بعدد النساء اللواتي حملن الفقد على أكتافهن، وواصلن الحياة من تحت الركام. الأرملة الغزية ليست رقمًا في الإحصاءات، بل قصة صمود يومية، وعمود أخير يمنع انهيار الأسرة والمجتمع.

بين النزوح والفقد، تثبت المرأة الفلسطينية أن القوة الحقيقية تولد من الألم، وأن الحياة تُقاوَم حتى في أقسى الظروف. الأرامل يقفن على خط النار الاجتماعي، يحملن عبئًا يفوق الاحتمال، ويخضن معركة البقاء دون ضجيج، شاهِدات على الحرب بوجعها اليومي، وعمدها الخفية التي تمنع سقوط ما تبقى من المجتمع.

اخبار ذات صلة