في ليلة 9 يناير/كانون الثاني 2026، كثَّف الروس قصفهم على مواقع أوكرانية، كما هو معتاد في تبادل الضربات بين البلدين منذ سنوات، ولكن هذه الليلة بالتحديد كانت مختلفة، فلم تكن مجرد غارة روسية متكررة، بل غارة حَمَلت بصمة خاصة، وهي عودة صاروخ "أوريشنيك" (Oreshnik) إلى ساحة القتال للمرة الثانية، عن طريق ضربة قرب مدينة لفيف في غرب أوكرانيا، وعلى مسافة قريبة من حدود بولندا، وذلك ضمن هجوم مُركَّب واسع شمل 242 مسيرة و36 صاروخا.
لم تكن تلك أول مرة يستخدم فيها الروس "أوريشنيك"، فقد ظهر لأول مرة يوم 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، عبر ضربة استهدفت منشأة لصناعة الصواريخ في مدينة دنيبرو الأوكرانية خرجت على إثرها المنشأة من الخدمة.
ولكن الأهم من حجم الضرر الذي سبَّبه الصاروخ الذي عاد لساحة المعركة قبل أيام هو المغزى السياسي العسكري من ورائه، إذ إن "أوريشنيك" صاروخ متطور ونادرا ما يستخدمه الجيش الروسي، بل ولا تستخدمه روسيا دون إخطار الولايات المتحدة عبر قنوات "خفض المخاطر النووية"، كما أكَّدت نائبة السكرتير الصحافي لوزارة الحرب الأميركية -الدفاع سابقا- بعد ضربة عام 2024.
ها هو "أوريشنيك" يُستخدم مُجددا في لحظة تزامنت مع محادثات حول إيجاد خطة لإنهاء الحرب وتبادل ضمانات أمنية بين الطرفين، وفي ظل رئاسة دونالد ترامب الذي يُعتقد على نطاق واسع بأنه يميل للتوصُّل إلى تسوية مع موسكو. فهل كان الهدف من الضربة سياسيا أم عسكريا إذن؟ وما الذي نعرفه بالضبط عن هذا الصاروخ؟
"أوريشنيك".. رؤوس متعددة تنفصل فوق الغلاف الجوي
يُعَد "أوريشنيك" صاروخا هائل السرعة، إذ يمكن أن ينطلق بسرعة تبلغ نحو 13 ألف كيلومتر في الساعة، أي أكثر من 10 أمثال سرعة الصوت (10 ماخ)، كما أن مداه يمكن أن يصل إلى 5500 كيلومتر، ما يضعه في النطاقات المتوسطة بالنسبة لصواريخ من هذا النوع، والمعروفة بالصواريخ الباليستية متوسطة المدى (IRBM).
والأهم من كل ذلك إمكانية تزويده برؤوس حربية نووية أو تقليدية، وإن كان الصاروخ بدون رؤوس نووية قادرا على تدمير أهداف على أعماق كبيرة تحت الأرض، كما صرَّح مُحلِّل الشؤون العسكرية الروسي فلاديسلاف شوريغين لصحيفة "إزفيتسيا".
السمة التي تلفت الانتباه لهذا الصاروخ هي أنه يحمل رؤوسا متعددة مُستقلة التوجيه والاستهداف، مما يعني أن ميزته الأساسية هي أنه لا يحمل رأسا حربيا واحدا فقط، بل يحمل مجموعة من الرؤوس التي تنفصل عنه في المرحلة النهائية.
وعلى النقيض منه، فإن الصاروخ التقليدي ذا الرأس الواحد تتعامل معه الدفاعات الأرضية على أنه هدف واحد، وإذا تمكَّنت من اعتراض الصاروخ أو رأسه الحربي فقد انتهى الأمر.
أما في حالة "أوريشنيك" ورفاقه، فإنه أشبه بحافلة تحوي عددا من الركاب، وتظل ساكنة حتى المرحلة التي يكون فيها الصاروخ في الغلاف الجوي العلوي أو الفضاء، ثم يبدأ إطلاق الرؤوس المتعددة الواحد تلو الآخر على مسارات متنوعة، بحيث يمكن لكل رأس أن يتجه إلى هدف مختلف، بعد أن يعاود الدخول إلى الغلاف الجوي.
تكمُن أهمية هذا النوع من الصواريخ ذات الرؤوس المتعددة مُستقلة التوجيه، ومُستقلة الاستهداف أيضا، أنها تجعل مهمة الدفاع الجوي أصعب بكثير، لأن منظومات الدفاع الجوي تُجبَر في تلك الحالة على التعامل مع عدة أهداف في وقت متقارب بدلا من هدف واحد، كما أن أي تأخر في اكتشاف الصاروخ أو نقص في صواريخ الاعتراض يرفع احتمال وصول بعض الرؤوس الحربية إلى أهدافها على الأرض، حتى لو استهدف الدفاع الجوي بعضا منه، ومن هُنا تأتي تسميتها بوصفها "مُستقلة الاستهداف".
ويُعتقد أن "أوريشنيك" قادر على حمل 6 رؤوس حربية، مع الإشارة كذلك إلى احتمال وجود "ذخائر فرعية" داخل بعض الرؤوس، بمعنى أن الرأس الحربي لا ينفجر كُتلة واحدة، بل يحمل بداخله عدة قنابل أو شحنات صغيرة، ربما لخداع الدفاعات الأرضية.
صاروخ فرط صوتي أم لا؟
ثمَّة جدل بين الروس والأوروبيين حول ما إذا كان هذا الصاروخ فرط صوتي بالفعل أم لا. فمن ناحية التعريف الفيزيائي، فلا يوجد خلاف أن "أوريشنيك" يصل إلى سرعات فرط صوتية، حيث وصفته تقارير عديدة بأنه يتجاوز 10 ماخ. ولكن الخلاف الحقيقي يبدأ من الاعتبارات التقنية، إذ إن الصاروخ الفرط صوتي عادة ما يشمل تعريفه قدرته على المناورة، وهي سمة تقول مصادر عديدة إنها غير موجودة في "أوريشنيك".
وقد عرَّف البنتاغون "أوريشنيك" بعد ضربة 2024 بأنه صاروخ باليستي متوسط المدى تجريبي مبني على نموذج "آر إس-26 روبيج" (RS-26 Rubezh)، وهو وصف يضع "أوريشنيك" في خانة الصواريخ الباليستية التقليدية من حيث مبدأ العمل، أي إنه ينطلق على مسار مقوس يصعد للغلاف الجوي العلوي أو الفضاء ثم يعود للأرض ليضرب هدفا أو أهدافا عدة.
أما التفسير الذي تتبنَّاه معظم التحليلات الغربية، ومنها المعهد الملكي للخدمات المتحدة في بريطانيا -المعروف بـ"روسي" (RUSI)- هو أن موسكو تُبرِز كلمة فرط صوتي لأنها كلمة رادعة نفسيا وسياسيا، في حين أن القيمة العملية لـ"أوريشنيك" تأتي من طبيعة الحمولة خاصته، أي قدرته على حمل رؤوس متعددة قد تكون نووية. ومن ثم فإن الغاية المرجحة من وراء استخدام الروس للصاروخ كانت تحقيق ردع أو توجيه رسالة للناتو أكثر من تحقيق فائدة عسكرية مباشرة على الأرض.
من جهة أخرى، تأتي من موسكو رسائل مغايرة، وواضحة في تسويقها لـ"أوريشنيك" على أنه صاروخ فرط صوتي. على سبيل المثال، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 إن الجيش أطلق صاروخا باليسيتيا فرط صوتي جديدا في أوكرانيا، وقدَّم الإطلاق بوصفه ردًّا على استخدام كييف أسلحة غربية في ضرب أهداف داخل روسيا.
