لا تُقاس الفصول في قطاع غزة، بتقلبات الطقس فقط، بل بقدرة الناس على الصمود والتحمل، عائلات كاملة تواجه فصل الشتاء بلا غطاء، وبلا مدفأة، وبلا شعور بالأمان، بينما تتحول قطرات المطر إلى امتحان يومي للبقاء.
مع حلول المساء، يتحول صوت المطر إلى إنذار خوف في خيمة عائلة أم خالد، حيث قطرات الماء لا تطرق القماش فحسب، بل تتسلل إلى الداخل، لتُغرق كل ما في الخيمة من أغطية بالية، وتضع الأطفال في موقف صعب جدًا، وسط البرد القارس.
وكان رئيس شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية أمجد الشوا قال في تصريحات صحفية: "إن نحو 10 آلاف أسرة على شاطئ غزة تعرضت للغرق أو تطايرت خيامها بفعل المنخفض الأخير، مؤكدا أن الوضع الإنساني هذه الأيام هو الأسوأ منذ بدء المنخفضات الجوية.
فيما أعلنت مصادر طبية في غزة وفاة 6 مواطنين، بينهم طفلان، جراء المنخفض الجوي العنيف الذي يضرب القطاع، إلى جانب تسجيل مئات الإصابات وحالات المرض المرتبطة بأمراض الجهاز التنفسي والجهاز المعوي بسبب البرد والرطوبة وتدهور ظروف الإيواء.
أم خالد أرملة وأم لأربعة أطفال تقول وهي تجمع أبناءها في زاوية الخيمة الباردة: "الليل هو الأصعب، البرد يكسر عظام الأطفال، والمطر لا يرحم، أضمهم إليّ كي يناموا، وأخاف أن يمرضوا ولا أجد دواءً لهم".
وتمضي أم خالد في سرد حكايتها المؤلمة وهي تنظر بعينيها من ثقب الخيمة إلى الوحل والمياه التي تحيط بخيمتها: "كلما سمعنا صوت الرياح، نطقنا الشهادة، لأننا نخشى أن تسقط الخيمة فوق رؤوسهم أو تسقط ركام المنازل المتهالكة فوقنا كما حدث مع جيراننا".
وكان مكتب الإعلام الحكومي في غزة قال: "إن 127 ألف خيمة من أصل 135 ألفا باتت غير صالحة للسكن نتيجة تضررها بفعل العواصف والرياح الغزيرة"، محذرا من أن البنية الهشة لمخيمات النزوح لم تعد قادرة على تحمّل أي تدهور إضافي في الطقس.
وأضاف المكتب أن العجز في الأغطية ووسائل التدفئة يتجاوز 70% على مستوى القطاع، ما يترك عشرات الآلاف من الأسر مكشوفة للبرد القارس بلا أي حماية كافية.
وفي خيمة أخرى تحتضن النازحة أم صبري أطفالها الخمسة، وترفع أكفها إلى السماء مناشدة الله عز وجل بوقف سقوط المطر، وقالت: "أطفالي يرتجفون من البرد، ولا أملك سوى الدعاء".
ولا تملك أم صبري أموالًا كافية لشراء الحطب والوقود من أجل تدفئة أطفالها الصغار، قائلة: "أسعار الحطب مرتفعة ولا نملك أثمانها سوى لطهي الطعام، بينما تلجأ الكثير من العائلات لإشعال البلاستيك أو بقايا الأخشاب بهدف التدفئة، وهذا يهدد صحة الأطفال.
الأطفال الفئة الأكثر هشاشة
وتتفاقم معاناة الناحين في ظل المنخفضات الجوية، لكن الفئة الأكثر هشاشة وضعفًا هي فئة الأطفال الذين يتعرضون لنزلات برد والتهابات صدرية بشكل دائم في ظل استمرار المنخفضات الجوية التي تضرب الأراضي الفلسطينية.
وفي هذا السياق قالت الطفلة سجود (9 أعوام): "أسبوع كامل وانا مريضة، أصبت بالكحة والالتهابات الصدرية ولا أستطيع التحمل أكثر من ذلك".
بينما أشارت أم ناجي (35 عامًا) إلى أنها كانت قبل الحرب تنتظر فصل الشتاء على أحر من الجمر، حيث الجلسات العائلية الجميلة وضحكات الأطفال، لكن في ظل الحرب الإسرائيلية أصبح فصل الشتاء كابوس لي ولأطفالي، خاصة وأنه يسبب أمراض غريبة لأول مرة نسمع عنها".
وفي تقريرها اليومي، قالت وزارة الصحة في قطاع غزة، اليوم الأربعاء، إن المستشفيات استقبلت خلال الساعات الـ24 الماضية 15 شهيدا، منهم شهيدان برصاص الاحتلال الإسرائيلي، و13 شهيدا جرى انتشالهم، دون تسجيل أي إصابات.
وذكرت الوزارة أن عدد الشهداء منذ بدء إسرائيل حرب الإبادة على القطاع في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 ارتفع إلى 71 ألفا و439 شهيدا، في حين بلغ عدد الجرحى 171 ألفا و324 مصابا.
ومنذ بدء وقف النار الأخير في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، تم تسجيل 449 شهيدا و1246 مصابا، بالإضافة لانتشال 710 جثث من تحت الركام.
