قائمة الموقع

إيران تتجاوز الاختبار الأقسى: دروع النظام ما تزال صلبة

2026-01-19T10:58:00+02:00
2.webp
شمس نيوز -

لعلّ أهمّ ما شهدته الأزمة الأخيرة التي مرّت بها إيران، هو أنها عرّضت الجمهورية الإسلامية، بعد أكثر من 46 عاماً على نشوئها، لعملية تمحيص لم يسبق لها مثيل، في مكامن قوتها وضعفها على السواء. فما حدث لم يكن مجرّد تهويل بحرب، إنما نوع من الحرب الفعلية التي تمثّلت بالاستثمار في الاحتجاجات، تمهيداً لتحويلها إلى تمرّد مسلّح ضدّ السلطة. أمّا ما تراجع عنه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، فكان الضربة التي كانت بلاده تنوي شنّها إسناداً لذلك التمرّد. والتراجع هذا، عُزي إلى جملة عوامل داخلية وخارجية، لكن أبرزها أن السلطات الإيرانية تمكّنت من إخماد التحرّك الداخلي، وأن العمل العسكري الذي هدّدت به الولايات المتحدة، صار، والحال هذه، محاولة لإسقاط النظام أو إضعافه من الخارج؛ وتلك دونها عقبات كبرى تولّى الإعلام الغربي والإسرائيلي تفنيدها على مدى الأيام الماضية. ورغم أن بعضها قد يكون تضليلاً، إلا أن الكثير منها صحيح، نظراً إلى أنه يتقاطع مع أيّ تحليل منطقي لمسار الأحداث؛ ومن بينها مثلاً الاعتراضات الخليجية والتركية والمصرية التي جرى نقلها إلى ترامب، بالإضافة إلى ما قيل عن عدم جهوزية إسرائيل دفاعياً، وحاجة الجيش الأميركي نفسه إلى مزيد من الوقت. كما ثمّة عوامل أخرى من بينها تهيّب روسيا ودخولها في وساطة لتخفيف التوتّر بين إيران وإسرائيل، ومخاوف الصين من الخسائر في النفط الرخيص إذا ما سقطت إيران، حيث كان ترامب سيخرج عندها ليعلن وضع اليد على النفط الإيراني، وبيعه بأسعار السوق، تماماً كما فعل في فنزويلا.

على خلفية ذلك كلّه، تصبح نتيجة الانقسام داخل الإدارة الأميركية، الذي كان قائماً أصلاً عشية حرب الـ12يوماً، راجحة لمصلحة من يعارضون تنفيذ ضربة أخرى. فالتدخّل العسكري يغدو في هذه الحالة تورطاً في نوع من الأزمات مثّل عدم الدخول فيه، أحد الشعارات الكبرى لترامب في حملاته الانتخابية وأدائه الرئاسي على السواء. إذ يحتاج التدخّل ضدّ إيران إلى حشد عسكري كبير، وربّما إلى تحالف غربي لا يبدو ممكناً، خصوصاً في ظلّ حرب أوكرانيا؛ وهو قد يُعلم كيف يبدأ، ولكن ليس كيف ينتهي، ولا كم سيكلّف. هذا كلّه كان سيُخاطَر به في حين أن النتيجة ليست محسومة أبداً؛ فالتقييمات التي خرج بها الناصحون كلّها أشارت إلى أن النظام في إيران ما يزال قوياً، ويصعب إسقاطه في عملية عسكرية من الخارج. وإذا كنا سنصدّق قول ترامب إن أحداً لم يقنعه بالتراجع عن الضربة، وإنما هو أقنع نفسه، فأغلب الظن أنه كان يتعمّد إطلاق التهديدات لتشجيع الاحتجاجات، وجعلها أكثر عنفاً، ممّا يوقع عدداً أكبر من القتلى بين المحتجّين وقوات الأمن، وربما يوفّر ظروفاً تسمح بتدخّل محدود وحاسم.

يعني ما تقدّم أن أميركا والغرب وإسرائيل لا يمتلكون أدوات فعلية للتحرّك داخل إيران، باستثناء العمل الاستخباراتي الذي يلعب على التناقضات الداخلية لاختراق الساحة الإيرانية، والتحريض على العنف والقتل من منطلقات عرقية أو طائفية أو سياسية. ولكن هذا النوع من التحريض كان له أثر عكسي؛ إذ استفزّ الكثير من الإيرانيين الذين وجدوا أنفسهم موعودين بفوضى عارمة وحروب عرقية وطائفية لا نهاية لها، من تلك التي شهدوا نماذج منها في بلدان عدة قريبة في السنوات الأخيرة. لقد ظهر الخواء، أكثر ما ظهر، في محاولة واشنطن وتل أبيب وحلفائهما تصدير ابن الشاه المخلوع، رضا بهلوي، لقيادة المعارضة المنقسمة على نفسها؛ وهي محاولة تجنّد لها الإعلام الغربي، وركيزتها أن أباه حَكَم إيران 40 عاماً، بما يجعل الابن قادراً على الاستناد إلى ذلك في منع تشظّي البلاد في ما لو سقط النظام الحالي. لكن القناعة العميقة بانعدام وزن بهلوي الابن، والكراهية التي يكنّها له الإيرانيون، فضلاً عن كونه مزعجاً لحلفاء أميركا المحيطين بإيران، كلّها عوامل حملت الإدارة الأميركية على أخذ مسافة منه، أقلّه في العلن، رغم التقارير عن عقد لقاء سرّي بينه وبين مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف.

بهذا المعنى، كانت لِما حدث في إيران أخيراً، على كلّ سيئاته بالنسبة إلى سلطات البلد وشعبه، فوائد؛ إذ أظهر للإيرانيين، بالتجربة العملية، نقاط قوة بلادهم ومصادر ضعفها، بما يتيح لهم معالجة هذه الأخيرة إن أمكن، واستكشاف الأعماق التي يجب أن تصل إليها السلطة، سواءً في التحدّي أو في التفاوض. كما سيكون في إمكان طهران، عقب الاختبار الذي مرّت به، معرفة أيّ الطرق أفضل للتعامل مع العقوبات الخانقة التي تحاصر الجمهورية منذ قيامها، وتبقى السبب الرئيسي لكلّ أزماتها، وهي بالفعل موضوع نقاش ساخن ودائم منذ سنوات على مستوى النظام نفسه

اخبار ذات صلة