بين قماش الخيام وسبورات مؤقتة، حيث تختلط أصوات الطلبة بوطأة الواقع القاسي، تحاول مدرسة الأحمد أن تصنع استثناءً في مشهد تعليمي يكاد ينهار. ففي ظل العدوان الغاشم على قطاع غزة، لم يعد الوصول إلى الصف الدراسي أمرًا بديهيًا، بل إنجازًا يُنتزع يوميًا وسط الخطر والنقص والحرمان.
المدرسة، التي وجدت نفسها فجأة خارج جدرانها التقليدية، تخوض معركة مزدوجة: الحفاظ على حق الطلبة في التعليم، ومحاولة تعويض الفاقد التعليمي الذي خلّفته شهور الحرب والنزوح والاضطراب.
التعليم رغم كل شيء
تؤكد إدارة مدرسة الأحمد أنها تواصل العمل رغم محدودية الإمكانيات، مستندة إلى كادر تعليمي متطوع وإدارة تحاول توفير الحد الأدنى من مقومات العملية التعليمية. وتوضح أن المدرسة عملت على تهيئة بيئة صفية بسيطة داخل الخيام، من خلال توفير مقاعد دراسية وسبورات ووسائل تعليمية أساسية، في محاولة للحفاظ على استقرار التعليم وعدم انقطاعه.
وبحسب الإدارة، فقد تجاوز عدد الطلبة في المدرسة ألف طالب وطالبة، موزعين على المراحل التعليمية من البستان حتى الثانوية العامة بفرعيها العلمي والأدبي، وهو ما يضاعف حجم المسؤولية في ظل شحّ الموارد وارتفاع الكثافة الصفية.
وتشير إلى أن أبرز الاحتياجات الحالية تتمثل في توفير القرطاسية الأساسية، من دفاتر وأقلام ورزم تعليمية، إضافة إلى تقديم حوافز مادية للمعلمين المتطوعين، وتأمين مزيد من المقاعد الدراسية بما يتناسب مع الأعداد المتزايدة.
تكيّف قاسٍ مع واقع استثنائي
من جانبها، تصف المعلمة أميرة الواقع التعليمي داخل الخيام بأنه بالغ الصعوبة، في ظل غياب الكراسي المخصصة للمعلمين، وضعف الإضاءة، والاكتظاظ الكبير داخل الصف الواحد، موضحةً أن الكادر التعليمي يحاول التكيّف مع هذه الظروف عبر توجيه الخيام للاستفادة من الإضاءة الطبيعية، إلى جانب التركيز على الاحتواء النفسي للطلبة وتشجيعهم.
وتضيف المعلمة أميرة أن المعلمين يعتمدون أساليب تدريس بسيطة وفعالة، مثل التعلم النشط والعمل الجماعي، مع التركيز على الأساسيات لتعويض الفاقد التعليمي، مؤكدة أن الاستقرار النفسي بات شرطًا أساسيًا لأي عملية تعليمية في ظل الحرب.
الطلبة… دافعية لا تنكسر!
الطالبة روزان تؤكد أن قسوة الظروف لم تُلغِ إخلاص المعلمين، مشيرة إلى أن كثيرين منهم يؤدون رسالتهم “بنشاط وجدية مطلقة”، بدعم واضح من إدارة المدرسة.
وتوضح روزان أنها تدرس في مدرسة الأحمد منذ الصف العاشر وحتى الثانوية العامة، ما عزز لديها شعور الانتماء والاستقرار.
وتلفت إلى أن الدراسة داخل الخيام، رغم صعوبتها، ساعدتها على تحسين التركيز، خاصة مع وجود مسافات فاصلة بين الخيام، الأمر الذي انعكس إيجابًا على تحصيلها في الفرع العلمي.
وتختتم بقولها: "إن هذه الظروف لم تُضعف دافعيتها، بل زادتها إصرارًا، في ظل دعم متبادل بينها وبين زميلاتها".
مخاوف أولياء الأمور
في المقابل، تعبّر أم ماجد، ولية أمر أحد الطلبة، عن قلقها من تأثير استمرار الوضع الحالي على المستوى التعليمي والاستقرار النفسي للطلبة، رغم إشادتها بجهود المدرسة وتواصلها المستمر مع الأهالي.
وتؤكد ام ماجد أنَّ غياب دعم حقيقي ومستدام قد يهدد استمرارية العملية التعليمية بالشكل المطلوب.
معركة التعليم المفتوحة
بين خيمة وسبورة، وبين معلم متطوع وطالب متمسك بحقه في التعليم، تواصل مدرسة الأحمد معركتها اليومية ضد الانقطاع والتراجع التعليمي. قصة تختصر واقع التعليم في غزة، حيث يُكتب الأمل على هامش الحرب، بانتظار دعم يعيد للعملية التعليمية قدرتها على الصمود والاستمرار.