مر أكثر من مئة يوم على دخول الهدنة حيّز التنفيذ في قطاع غزة، لكن صوت الانفجارات لم يختفِ بالكامل، ولا تزال الذكريات القاسية للحرب تلاحق كل زاوية من المدينة، سكان غزة، الذين يترقبون أية لحظة للاستقرار والسكينة، يحاولون إعادة الحياة من بين الركام في الشوارع، وفي بيوت المهجّرين، وفي الأسواق التي تعاني من نقص المواد الأساسية.
يجلس النازح محمد أبو سامر أمام ما تبقى من خيمته البسيطة على أبواب حي الشجاعية، شرق مدينة غزة يقول: "لقد دمر الاحتلال منزلي وأصبح كومة من الرمال، ويحكي بحسرة كنا نحلم بأن نبدأ حياة جديدة بعد الهدنة، لكن كل يوم يأتي بشيء جديد الاستهدافات الجوية متقطعة، والأسواق غير آمنة، ولا نعرف متى سنعود لنعيش مثل الناس العاديين".
وفي زاوية أخرى من مخيم حي الشجاعية يقف المواطن محمود خليل أمام خيمته وهو يقول: "الهدنة لم تمنحنا أمانًا حقيقيًا، كل صوت طائرة أو انفجار يذكرنا بما فقدناه. نحاول أن نعيد ترتيب حياتنا، لكن الكهرباء نادرة، والمياه غالبًا ملوثة".
وأضاف محمود: "نعاني بشكل كبير جدًا فالمنازل التي أعيد ترميمها مؤقتًا معرضة هي الآن للانهيار، والعودة إلى العمل شبه مستحيلة.
بينما تقف النازحة عائشة محمد وهي أم لخمسة أطفال في حي الزيتون تقول: "أطفالي ما زالوا يخافون من أصوات الانفجارات، نحاول أن نعيش طبيعيًا، لكن الخوف أصبح رفيقنا الدائم، الكهرباء غير مستقرة، المواد الغذائية محدودة، نحن نعيش على أمل أن ينتهي هذا الكابوس".
وبالقرب من النازحة عائشة، تعيش أم محمد أوضاعًا قاسية جدًا بعدما فقدت زوجها وبدأت تعيل أطفالها وأطفال أبنائها الصغار، تقول: "فقدت زوجها خلال الحرب أبنائي يخافون النوم وحدهم، كل صوت غريب يثير الذعر في قلوبهم، ومع ذلك نحاول أن نعيش طبيعيًا، لكن الخوف أصبح جزءًا من حياتنا اليومية.
من جهته يقول سامي بائع بسطة خضار في سوق الصحابة: "الهدنة جعلت الأمور أفضل قليلاً، لكن الطلبات قليلة، والأسعار مرتفعة، والحياة الاقتصادية متوقفة، فالمواطن البسيط لا يستطيع العيش، الناس تبحث عن لقمة العيش فقط، لا عن السلام".
ويضيف سامي: "الهدنة أو وقف إطلاق النار منح أهل غزة فرصة ثمينة لإصلاح المنازل المؤقتة؛ لكن الاحتلال الإسرائيلي لا يعنيه وقف إطلاق النار فيعمل باستمرار على استهداف المدنيين ما يزيد من حالة الخوف والتوتر التي تنتاب جميع النازحين".
مر أكثر من مئة يوم على إعلان الهدنة في قطاع غزة، ومع ذلك، لم تعد الحياة كما كانت قبل الحرب، أصوات الانفجارات الخافتة لا تزال تتسلل بين شوارع المدينة، والأسواق تكتظ بقلوب متوترة تبحث عن لقمة العيش.
فالمواطن الغزي، الذي حلم بلحظة استقرار، يجد نفسه محاصرًا بين خوف الأمس وقلق اليوم، يحاول أن يعيش حياة طبيعية وسط الركام النفسي والمادي، وكأن السلام أصبح رفاهية غير متاحة.