كشفت صحيفة الغارديان البريطانية عن خطط تمويل إماراتية لإنشاء ما أُطلق عليه «أول مجتمع مُخطط» داخل قطاع غزة، على أطراف مدينة رفح المدمّرة جنوب القطاع. وبحسب وثائق تخطيط ومصادر مطلعة، سيُسمح للفلسطينيين المقيمين في هذا المجتمع بالحصول على خدمات أساسية، تشمل التعليم والرعاية الصحية والمياه، مقابل الخضوع لإجراءات تدقيق أمني وجمع بيانات بيومترية.
ووفقًا لتقرير الصحيفة، تُعد هذه الخطوة أول استثمار إماراتي في مشروع لإعادة الإعمار بعد الحرب داخل منطقة من غزة تخضع حاليًا للسيطرة الإسرائيلية. وتشير تقارير إعلامية إماراتية رسمية إلى أن أبوظبي قدّمت أكثر من 1.8 مليار دولار كمساعدات إنسانية لغزة منذ السابع من أكتوبر 2023، ما يجعلها أكبر مانح إنساني للقطاع.
وأفادت الغارديان بأن مخططات المشروع عُرضت في عرض تقديمي غير سري قُدم لمجموعة من المانحين الأوروبيين، خلال زيارة لمركز التنسيق المدني–العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة في إسرائيل منتصف يناير الماضي. وأكدت مصادر مطلعة أن المخططين العسكريين الإسرائيليين وافقوا على هذه التصورات، في حين لم يُكشف سابقًا عن الدور الإماراتي بوصفها الممول الرئيسي للمشروع.
وتزامنت هذه الخطط مع تحركات دبلوماسية أوسع، حيث وصل جاريد كوشنر وستيف ويتكوف وجوش غرونباوم، وهم من أعضاء أو مستشاري «مجلس السلام» الذي تقوده الولايات المتحدة، إلى أبوظبي للمشاركة في جهود وساطة دولية. وكان المجلس قد كُلّف مؤخرًا بالإشراف على إعادة إعمار غزة، عقب إقرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب ميثاق تأسيسه.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول أميركي قوله إن المجمع السكني المدعوم من الإمارات قد يشكل «نموذجًا» لسلسلة مجتمعات سكنية وُصفت بأنها «مجتمعات آمنة بديلة». وتشمل الخطط، وفق الوثائق، اعتماد محافظ إلكترونية بالشيكل، ومناهج تعليمية «غير مرتبطة بحماس»، إلى جانب فرض إجراءات تفتيش أمني عند مداخل ومخارج المجمع، دون تحديد الجهة التي ستتولى تنفيذ هذه الإجراءات.
وتأتي هذه التطورات في ظل دمار واسع خلّفته الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، والتي أسفرت، بحسب مصادر فلسطينية ودولية، عن مقتل أكثر من 70 ألف فلسطيني، وتدمير نحو ثلاثة أرباع المباني والبنية التحتية. وتقدّر الأمم المتحدة كلفة إعادة الإعمار بما لا يقل عن 70 مليار دولار، مع توقعات بأن تستغرق العملية عقودًا طويلة نظرًا لحجم الدمار وتعقيداته.
وبموجب الترتيبات السياسية المعلنة، جرى تقسيم قطاع غزة إلى مناطق تخضع للسيطرة الإسرائيلية وأخرى تسيطر عليها حركة حماس، على أن تقتصر المرحلة الأولى من إعادة الإعمار على المناطق الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية. وتحمل الخطة، التي أُطلق على أحد مشاريعها اسم «رفح الجديدة»، وعودًا ببناء عشرات الآلاف من الوحدات السكنية، إلى جانب مئات المرافق التعليمية والطبية.
في المقابل، أثارت هذه الخطط مخاوف قانونية وحقوقية. فقد حذر المفاوض الإسرائيلي السابق دانيال ليفي من إمكانية توظيف المشروع سياسيًا لتبرير عمليات تهجير وتطهير، حتى دون تنفيذها فعليًا. كما عبّر باحثون في مجال حقوق الإنسان عن قلقهم من توسيع استخدام المراقبة البيومترية، معتبرين أنها قد تسهم في تعزيز أنماط السيطرة والقمع بحق الفلسطينيين.
وتبقى آليات تنفيذ المشروع، والجهات الأمنية المشرفة عليه، إلى جانب مصير سكان المناطق الأخرى في غزة، أسئلة مفتوحة، في ظل غياب توضيحات رسمية شاملة، واستمرار القيود المفروضة على عمل منظمات الإغاثة الدولية داخل القطاع.ش
