غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

خطوات إسرائيلية متسارعة في قطاع غزة.. ماذا عن الأسباب؟

قصف خرق اتفاق وقف اطلا النار.png

 أحمد عبد الرحمن

يمكن تقسيم الشهور الأربعة التي انقضت من عمر اتفاق وقف إطلاق النار في غزة إلى ثلاثة أجزاء، دام أولها شهراً ونصف الشهر تقريباً، وقد كان الأهدأ والأكثر إيجابية رغم عديد الخروقات الإسرائيلية التي شابته، ما ترك شعوراً بالتفاؤل لدى سكان القطاع كان من المتوقّع أن يتعزّز مع مرور الأيام، إلا أن ما شهده الجزء الثاني من تصعيد إسرائيلي متسلسل ومتدحرج، وارتفاع وتيرة الخروقات، كمّاً ونوعاً، قد بدّد معظم تلك التوقعات، غير أنها حافظت على خيط رفيع من الأمل بما هو قادم، خصوصاً بعد الإعلان عن دخول المرحلة الثانية من الاتفاق حيّز التنفيذ قبل ثلاثة أسابيع تقريباً، وهو الأمر الذي ترافق مع الإعلان عن تشكيل "مجلس السلام" برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، واللجنة الوطنية لإدارة شؤون القطاع برئاسة الدكتور على شعت.

منذ تلك الفترة، التي يمكن اعتبارها الجزء الثالث من الأشهر الأربعة المنقضية من اتفاق التهدئة، بدأ الاحتلال موجة جديدة من التصعيد، ليس فقط في الميدان، بل شمل كل المجالات الأخرى التي تمسّ اتفاق العاشر من تشرين الأول/أكتوبر في الصميم، وقد تدفعه في قادم الأيام إن لم يتم تدارك الأمر إلى السقوط، وإلى دوران رحى الحرب من جديد.

أحد أهم أشكال التصعيد الإسرائيلي الفجّ والسافر هو مواصلة عمليات الاغتيال وتصاعدها ضد ناشطي المقاومة الفلسطينية وكوادرها، الذين بات الاحتلال يستهدفهم كلما سنحت له الفرصة بذلك، تحت ذريعة إحباط هجمات ضد قواته، أو رداً على "خروقات" تقوم بها المقاومة، والتي لم يثبت حدوثها في كل الحالات التي ادّعى فيها العدو ذلك.

إلى جانب الاغتيالات، تصاعدت عمليات استهداف المدنيين في كامل جغرافيا القطاع وليس فقط قرب "المنطقة الصفراء"، هذه المنطقة التي توسّعت باتجاه الغرب أكثر من مرّة خلال الفترة الأخيرة، وباتت تلامس في كثير من المناطق شارع صلاح الدين أهم شوارع القطاع وأكثرها حيوية، والذي تم قطع الطريق فيه في أكثر من محور، كان آخرها بالقرب من دوار الكويت جنوب حي الزيتون جنوب مدينة غزة، وبالقرب من دوّار بني سهيلا وسط مدينة خان يونس.

 تصعيد آخر تمثّل في بدء "جيش" الاحتلال حفر خندق بعمق عشرين متراً تقريباً، وبعرض ستة أمتار على طول المنطقة المحاذية للخط الأصفر شرق القطاع، وهو إلى جانب تحوّله إلى حاجز لمنع الحركة باتجاه المناطق الشرقية من قطاع غزة، والتي تمثّل أكثر من نصف مساحته الإجمالية، فإنه مُزوّد كما تشير بعض المعلومات بمجسّات إلكترونية لكشف الأنفاق، وهو ما يعزّز فرضية أن الاحتلال يسعى إلى تحويله إلى حدود جديدة ومستدامة لغزة، وهو ما يعني حشر أكثر من مليونين وربع المليون من سكّانها في منطقة صغيرة لا تتجاوز مئة وستين كيلومتراً في أحسن الأحوال.

معبر رفح الذي انتظر الفلسطينيون في غزة فتحه على أحر من الجمر كان عرضة أيضاً للتصعيد الإسرائيلي الممنهج والمتصاعد، إذ وعلى الرغم من الإعلان عن فتحه في كلا الاتجاهين، قُيّدت الحركة فيه إلى حدودها الدنيا، إذ تقتصر حركة المغادرين عبره على المرضى والمصابين بمعدل 40 مسافراً يومياً، يُضاف إليهم مرافقان اثنان لكل مريض أو مصاب، أي أن العدد الإجمالي للمغادرين كل يوم لا يتجاوز 120-150 مغادراً، مع الإشارة إلى ضرورة حصول هؤلاء المغادرين على موافقة إسرائيلية.

أما العائدون فحدّث ولا حرج، إذ لا يزيد عددهم على الخمسين عائداً في أحسن الأحوال، وهم بدورهم يجب أن يحصلوا على الموافقة الإسرائيلية المُشار إليها أعلاه، إلى جانب إرغامهم على المرور من الحواجز الإسرائيلية، أو تلك الخاضعة لسيطرة الميليشيات المتعاونة مع الاحتلال، والتي تقوم بابتزاز العائدين وسرقة أموالهم وأغراضهم الشخصية، بالإضافة إلى الاعتداء على بعضهم جسدياً، وتوجيه سيل من الشتائم والتهديدات لهم، بل ودعوتهم إلى مغادرة غزة مقابل مبالغ مالية يحصلون عليها.

المساعدات الإنسانية والإغاثية والصحية لم تسلم بدورها من التصعيد الإسرائيلي المستمر، فهي وعلى الرغم من وجود نص واضح في اتفاق التهدئة يشير إلى نوعها وكمّها، ما زال الاحتلال يمنع وصول النسبة الأكبر منها، إذ يسمح بدخول أقل من مئتي شاحنة يومياً فقط، علماً أن الاتفاق ينص على دخول ستمئة شاحنة، كما يواصل منع دخول المساعدات التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا "، وهو ما يزيد من الأزمة الإنسانية في القطاع، والذي تعتمد النسبة الأكبر من سكّانه على تلك المساعدات والمعونات.

في ما يخص المساعدات الصحية، يمنع الاحتلال كذلك دخول كميّات كبيرة منها، وباتت المشافي والمراكز الصحية في غزة تفتقر إلى أدنى المقوّمات والإمكانيات الدوائية، وتكاد لا تجد في معظمها أي أدوية تُذكر حتى تلك الخاصة بتسكين الآلام والأوجاع، والتي يحتاجها الآلاف من المرضى والجرحى يومياً، ناهيك باختفاء شبه كامل للمضادات الحيوية الهامة والضرورية.

في مقابل هذا المنع والتقليص للمساعدات والمعونات، هناك تسهيلات لا تخطئها العين للبضائع التي يستوردها التجّار من الجانب الإسرائيلي، وهو الأمر الذي يسعى من وراءه الاحتلال لإرغام السكّان على شراء احتياجاتهم من هذه البضائع بما يعود عليه بأرباح وفيرة، في مقابل إفراغ جيوب الفلسطينيين مما تبقّى لديهم من أموال يحصلون على أغلبها من بعض المؤسسات الدولية العاملة في القطاع.

على جانب مواز، ما زالت "دولة" الاحتلال تمنع رئيس وأعضاء اللجنة الوطنية لإدارة غزة من دخول أراضي القطاع لمباشرة عملها، على الرغم من أنها تتبع لمجلس السلام برئاسة ترامب، والذي لم ينبس ببنت شفة بشأن هذا الموضوع حتى الآن، في حين يملأ الدنيا ضجيجاً حول ملفات وقضايا أقل أهمية من هذا الأمر بكثير.

الخطوات التصعيدية الإسرائيلية لا تقف عند ما أشير إليه أعلاه فقط، بل تشمل أيضاً عدم السماح للصيادين الفلسطينيين بممارسة عملهم في عرض البحر، وتقييد نشاطهم إلى أقل من ميل بحري واحد فقط، وفي كثير من الأحيان، يتم إطلاق النار عليهم وقتلهم واعتقالهم، إلى جانب تقليص إدخال الوقود والغاز إلى الحدود الدنيا، ومواصلة هدم البيوت داخل وبالقرب من الخط الأصفر وغير ذلك الكثير.

على صعيد الأسباب التي تقف وراء ارتفاع وتيرة الخطوات التصعيدية الإسرائيلية وازدياد نسقها، يمكن الإشارة إلى مجموعة منها، وهي ذات أهداف سياسية وعسكرية متنوّعة، إلا أنها جميعاً تخدم الرؤية الإسرائيلية التي وُضعت في بداية معركة "طوفان الأقصى"، ويسعى الاحتلال لتحقيقها بشكل كامل، أو تحقيق الجزء الأكبر منها على أقل تقدير.

أحد هذه الأسباب يتعلّق بالمستقبل السياسي لرئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو، والذي يعتقد أن مستقبله بل وتاريخه مرتبط بحسم المعركة في غزة، وهو الذي يحاول أن يتنصّل من الفشل الذي مُنيت به "دولته" وقوّاته فيها بكل الطرق والوسائل.

يعتمد مجرم الحرب، والمطلوب للعدالة الدولية "نتنياهو" على إدامة التصعيد في غزة، بل ورفعه إلى مستويات أعلى قد تصل في مرحلة ما إلى عودة الحرب الشاملة للتهرّب من المساءلة القانونية سواء بتهم الفساد الموجهة إليه، أو نتيجة إخفاقه كما يتّهمه معارضوه في منع هجوم السابع من أكتوبر، أو معالجة تداعياته الخطيرة التي أصابت "دولة" الكيان.

إلى جانب هذا التهرّب على وقع التصعيد، يحاول نتنياهو تقديم أوراق ترشّحه للانتخابات البرلمانية القادمة سواء المبكّرة أو العادية من خلال سفك مزيد من دماء الفلسطينيين في غزة كما هي الحال في الضفة الغربية المحتلة، وهو يعرف أكثر من غيره أن المجتمع الصهيوني اليميني بمعظمه يميل إلى القادة الأكثر عنفاً ووحشية، وأن هذا المجتمع يفضّل أولئك الذين يستخدمون العنف ضد "أعداء الدولة"، وفي المقدّمة منهم الشعب الفلسطيني المظلوم.

سبب ثانٍ نراه يقف وراء ارتفاع وتيرة التصعيد الإسرائيلي في غزة، وهو خلق وقائع جديدة على الأرض تسهم في تعقيد إضافي للمشهد في القطاع، وتحويله إلى منطقة غير صالحة للسكن بكل ما للكلمة من معنى، وهو الأمر الذي تسعى من وراءه "إسرائيل" إلى دفع سكّان القطاع إلى الهجرة منه في مرحلة ما يُخطط لها بعناية، سواء من خلال التصعيد، أو من خلال خطوات سياسية مُتوقّعة قد ترى النور قريباً.

حسب مواقع إعلامية إسرائيلية عديدة، يحاول الاحتلال إدخال اليأس إلى قلوب الفلسطينيين، ومنعهم من الشعور بأي نوع من الأمل والثقة بإمكانية عودة حياتهم إلى طبيعتها، أو حتى قريباً منها، وهو يستخدم كل ما بين يديه من إمكانيات غير مشروعة من قتل وحصار ومنع من أجل الوصول إلى هذا الهدف، والذي يمكن اعتباره حسب الكثير من المعطيات الهدف الأهم للحرب على غزة، حتى بات مطلباً إسرائيلياً رئيسياً يُعمل على تحقيقه بكل السبل والوسائل.

السبب الثالث للتصعيد كما نعتقد هو التحضير للعودة للحرب من جديد خلال مرحلة قادمة، وهو أمر يمكن التدليل عليه من خلال الكثير من التحركات العسكرية التي تجري في المناطق الشرقية من القطاع، إذ زادت وتيرة إنشاء المواقع العسكرية كمّاً ونوعاً، وهو ما يسهّل أي تحرك عسكري في المستقبل ويجعله سريعاً ومؤثراً، إلى جانب التحليق المستمر والمكثّف وغير المسبوق لطائرات التجسّس الإسرائيلية لاسيّما فوق المناطق الغربية من القطاع، وهي المناطق التي يمكن أن تكون هدفاً لأي عملية قادمة في ظل تدمير كل المناطق الشرقية، وتحويلها إلى أرض جرداء وقاحلة وساقطة عسكرياً.

هذا التصعيد المحتمل، والذي تشير إليه الكثير من التقارير الإعلامية الإسرائيلية مرتبط بالأساس بالمعركة في الإقليم وليس معزولاً عنها، إذ إنه يمكن أن يلي أي معركة كبيرة بين الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها وبين إيران، حيث تسود سردية تشير إلى أن هزيمة إيران في هذه المعركة المرتقبة، أو انكفاءها داخلياً على أقل تقدير ستتلوه عودة الحرب ضد لبنان وغزة وربما اليمن، وهو الأمر الذي يعني حسم المعركة نهائياً لصالح "إسرائيل" وأميركا، خصوصاً في ظل سيطرة اليمين المتطرف على مقاليد الحكم في كلتا الدولتين.

أسباب أخرى من قبيل عدم السماح باستقرار الأمور في قطاع غزة، والإبقاء على حالة من فقدان السيطرة والفوضى الإدارية خصوصاً من خلال منع عمل اللجنة الوطنية "العتيدة"، أو من خلال استهداف قوات الأمن والشرطة، والحد من قدرتها على بسط الأمن وضبط المنفلتين، بالإضافة إلى رغبة إسرائيلية قد تبدو حقيقية في إسقاط خطة ترامب بالكامل، والتي على الرغم من إجحافها في حق الفلسطينيين، إلا أنها قد تشكّل لهم حبل نجاة من الكثير من الأزمات التي يعانونها، خصوصاً في ما يتعلّق بالتخفيف من بطش الاحتلال وعدوانه، والبدء بعمليات رفع الأنقاض والإعمار وصرف التعويضات، وتسهيل حياة الناس ولو في حدّها الأدنى.

على كل حال، يمكن الاعتقاد بأن العدو قد نجح حتى الآن في فرض رؤيته السياسية والأمنية على مجمل الأوضاع في قطاع غزة، وهو الوحيد الذي يتحكّم بما يجري فيه من دون أن يتعرّض لأي نوع من المساءلة أو المراجعة، وهو في ذلك يضرب بعرض الحائط كل ما تم التوصّل إليه من تفاهمات واتفاقات، حتى تلك التي أشرف عليها ورعاها رئيس "أقوى" دولة في العالم.

إلا أنه وعلى الرغم من ذلك، فإن الرياح في غزة وإن كانت لا تسير كما تشتهي سفن ساكنيها، فإنها أيضاً لا تسير كما ترغب وتتمنّى "دولة" الاحتلال وقادتها المتطرّفون، إذ يمكن رؤية الكثير من أوجه الفشل والقصور التي ما زالت تصيب المخطّطات الإسرائيلية، لا سيّما على صعيد الرفض المطلق الذي يبديه سكّان القطاع لمغادرة أراضيهم، أو التخلّي عنها، وإصرارهم على مواجهة مؤامرات الاحتلال وإسقاطها مهما كلّفهم ذلك من ثمن.

نحن على ثقة ورغم كمّ المشكلات الهائلة التي يعانيها أهلنا وشعبنا في قطاع غزة، كما هي الحال في الضفة المحتلة وفي ساحات الإقليم الأخرى من اليمن ولبنان وصولاً إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أن النصر لن يكون حليف الأعداء، وأن كل ما يخطّطون له سيسقط تحت أقدام أحرار وشرفاء هذه الأمة العزيزة والمقتدرة، تماماً كما سقطت أوهامهم ومشاريعهم قبل سبعة وأربعين عاماً بعد انتصار الثورة الإسلامية العظيمة في إيران.

"جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز".