فجَّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أزمة دبلوماسية غير مسبوقة مع بريطانيا؛ بعد تصريحات مثيرة للجدل شكّك فيها في دور حلفاء بلاده في حلف شمال الأطلسي "الناتو" في حرب أفغانستان، ما دفع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى مهاجمته بعبارات قاسية، نادرًا ما يستخدمها في خطابه الدبلوماسي، إذ وصف كلمات الرئيس الأمريكي بأنها "مُهينة وفظيعة"، مطالبًا إياه بالاعتذار الفوري.
ونقلت صحيفة بوليتيكو، تصريحات أدلى بها ترامب خلال مقابلة مع شبكة فوكس نيوز الأمريكية، قال فيها إنه "غير متأكد" من أن حلف شمال الأطلسي "سيكون موجودًا إذا ما احتاجته واشنطن إليه في أي وقت"، مضيفًا بنبرة استخفاف: "نحن لم نحتجهم أبدًا".
وذهب ترامب إلى ما أبعد من ذلك، عندما تحدث عن مشاركة القوات الأوروبية في حرب أفغانستان، التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر، قائلًا إن الحلفاء "أرسلوا بعض القوات بالفعل، لكنهم بقوا بعيدين قليلًا، متراجعين عن خطوط المواجهة الأمامية".
هذه التصريحات جاءت في توقيت بالغ الحساسية، إذ تمر العلاقات عبر الأطلسي بأسوأ مراحلها منذ سنوات، خاصةً بعد تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية على بريطانيا بسبب موقفها من جرينلاند، إضافة إلى هجومه الحاد على اتفاقية لندن بشأن مستقبل جزر تشاجوس، وفقًا لما أوردته بوليتيكو.
رد بريطاني غاضب
في رد فعل استثنائي يعكس عمق الإهانة التي شعرت بها لندن، قال ستارمر للصحفيين، مساء الجمعة، إن تصريحات ترامب تجاوزت كل الخطوط الحمراء، مضيفًا: "لو أنني أخطأت بهذه الطريقة أو قلت تلك الكلمات، لكنت اعتذرت بالتأكيد".
وتعد هذه العبارات قوية وحادة بشكل غير معتاد بالنسبة لستارمر، الذي حرص طوال الأشهر الماضية على الحفاظ على علاقة متوازنة مع إدارة ترامب رغم الخلافات المتكررة بين الجانبين.
المتحدث الرسمي باسم ستارمر، كان أكثر وضوحًا في إدانته لكلام الرئيس الأمريكي، إذ قال للصحفيين إن "الرئيس كان مُخطئًا في التقليل من دور قوات الناتو، بما فيها القوات البريطانية في أفغانستان"، مشيرًا إلى أن "تضحياتهم وتضحيات القوات الأخرى في الحلف كانت في سبيل أمن الناتو"، بحسب بوليتيكو.
حقائق تاريخية
ما يجعل تصريحات ترامب أكثر إيلامًا هو أنها تتجاهل حقائق تاريخية دامية ووثائق رسمية لا يمكن إنكارها، إذ فقدت بريطانيا 457 جنديًا في الحرب الأفغانية، بينما سقط 165 جنديًا كنديًا و44 جنديًا دنماركيًا، وهو ما يمثل أعلى نسبة خسائر بالنسبة لعدد السكان خلال حرب استمرت عقدين كاملين، حسبما ذكرت بوليتيكو.
الأهم من ذلك أن حلف الناتو فعّل المادة الخامسة، الخاصة بالأمن الجماعي للمرة الأولى والوحيدة في تاريخه الممتد لعقود، وكان ذلك تحديدًا بعد هجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة، للانضمام إلى العمليات العسكرية في أفغانستان، ما يعني أن دول الحلف اعتبرت الهجوم على أمريكا "هجومًا عليها جميعًا"، وخاضت الحرب دفاعًا عن حليفها الأمريكي.
وزير الدفاع يرد
سارع وزير الدفاع البريطاني جون هيلي إلى الرد على تصريحات ترامب عبر منصة إكس، إذ كتب: "المملكة المتحدة وحلفاء الناتو استجابوا لنداء الولايات المتحدة، وفقد أكثر من 450 فردًا من الأفراد البريطانيين حياتهم في أفغانستان".
وأضاف هيلي: "هؤلاء الجنود البريطانيين يجب أن يُذكروا بحقيقتهم: أبطال قدّموا حياتهم في خدمة أمتنا"، وفقًا لما نقلته بوليتيكو.
من جهته، وصف نائب وزير الدفاع آل كارنز، الضابط السابق في مُشاة البحرية الملكية، تصريحات ترامب بأنها "مُخجلة حقًا" و"سخيفة تمامًا"، في إشارة واضحة إلى رفض المؤسسة العسكرية البريطانية لهذا التقليل من قيمة التضحيات.
غضب برلماني عارم
تجاوز الغضب البريطاني الحكومة ليشمل البرلمان بكل أطيافه السياسية، إذ اعتبرت إيميلي ثورنبيري، رئيسة لجنة الشؤون الخارجية من حزب العمال، كلام ترامب "أكثر بكثير من مجرد خطأ"، واصفة إياه بـ"الإهانة المطلقة" لعائلات الشهداء الذين فقدوا أحباءهم في ساحات المعارك الأفغانية.
أما إد دافي، زعيم حزب الديمقراطيين الليبراليين، وأحد أشرس منتقدي ترامب في بريطانيا، فقد ذهب إلى حد التذكير بأن الرئيس الأمريكي "تجنب الخدمة العسكرية خمس مرات"، متسائلًا باستنكار: "كيف يجرؤ على التشكيك في تضحياتهم؟"، بحسب بوليتيكو.