مع اشتداد برد الشتاء وارتفاع أمواج بحر غزة، يواجه قطاع الصيد واحدة من أخطر مراحله منذ عقود؛ فالمهنة التي شكّلت لعشرات السنين مصدر رزق أساسي لآلاف العائلات، تحولت اليوم إلى مغامرة محفوفة بالموت، في ظل استهداف ممنهج دمّر مقومات العمل البحري، وحوّل البحر من مصدر للحياة إلى ساحة دائمة للخطر.
استهداف ممنهج
يؤكد زكريا بكر، نقيب الصيادين في غزة، في حديثه لـ"شمس نيوز"، أن الحرب لم تتوقف يومًا عن استهداف قطاع الصيد، واصفًا ما يجري بأنه "حرب إبادة منظمة" بحق الصيادين ومصدر رزقهم.
ويشير بكر إلى أن نحو 95% من قطاع الصيد تعرض للتدمير، في وقت فُرضت فيه قيود خانقة تمنع الصيادين من تجاوز مسافة 200 متر فقط من الشاطئ، ما جعل البحر منطقة عالية الخطورة وغير صالحة للعمل.
فاتورة الكارثة
تكشف معطيات نقابة الصيادين حجم الخسائر البشرية والمادية التي لحقت بالقطاع، إذ أسفرت الاعتداءات عن استشهاد 232 صيادًا، بينهم 67 صيادًا استشهدوا أثناء محاولتهم الصيد، إضافة إلى عشرات الجرحى والمعتقلين.
كما أدت القيود المشددة وإغلاق البحر إلى انخفاض عدد الصيادين من نحو 4500 صياد إلى قرابة 500 فقط، فيما تراجع الإنتاج السمكي إلى أقل من 2% من مستواه الطبيعي.
ولم تقتصر الخسائر على الأفراد، بل طالت البنية التحتية بشكل شبه كامل، حيث دُمّرت المراكب الكبيرة، وتوقفت مصانع الثلج وورش الصيانة وسوق السمك، في حين خرج ميناء غزة عن الخدمة منذ بداية الحرب.
وسائل بدائية للبقاء
في مواجهة هذا الواقع القاسي، يلجأ الصيادون إلى وسائل بدائية للغاية، خاصة مع دخول ما يُعرف بـ"أربعينية الشتاء"، حيث تهاجر الأسماك إلى المياه العميقة الدافئة التي يُحظر على الصيادين الوصول إليها.
ويوضح نقيب الصيادين أن العاملين في البحر باتوا يصنعون أدوات الطفو من بقايا القوارب المدمرة وألواح الفلين والجلد، ويعتمدون على التجديف اليدوي باستخدام "حسكة المجداف" التي كانت تُستخدم سابقًا لأغراض سياحية.
ويحاول الصيادون إلقاء شباك صغيرة ومتهالكة، انتهى عمرها الافتراضي منذ سنوات، في ظل غياب المحركات والمعدات الأساسية، بينما يبقى الخطر حاضرًا مع كل خروج إلى البحر.
بين الموت والاعتقال
يصف أحد الصيادين واقعهم القاسي بالقول: "من يدخل البحر يكون مفقودًا، ومن يخرج منه يكون مولودًا"، في إشارة إلى الخيارات المحدودة التي تواجههم، والتي لا تخرج عن دائرة الموت، أو الاعتقال والتنكيل، أو الإصابة بعجز دائم.
استغاثة دولية
أمام هذا المشهد، يطلق صيادو غزة نداءات استغاثة للمؤسسات الدولية والحقوقية، مطالبين بتدخل عاجل لرفع الحصار عن قطاع الصيد، وفتح البحر أمامهم، والسماح بإدخال معدات الترميم الأساسية، مثل الأخشاب والمحركات ومواد "الفيبر جلاس".
ويؤكد الصيادون أن آلاف العائلات التي كانت تعيش أصلًا تحت خط الفقر المدقع، باتت اليوم مهددة بالجوع والموت، في كل محاولة يخرج فيها أحدهم بحثًا عن لقمة العيش في بحر محاصر.