قائمة الموقع

حسم الصراع بين الوهم والحقيقة

2026-01-28T13:13:00+02:00
وليد القططي

د. وليد القططي

كرر نتنياهو، رئيس حكومة الكيان الصهيوني، أثناء حرب الإبادة عبارة "تحقيق النصر الحاسم"، ويقصد بذلك حسم الصراع لصالح جبهة الكيان الصهيوني كرأس حربة للمشروع الاستعماري الغربي أمام جبهة الشعب الفلسطيني وعمقه العربي والإسلامي، لا سيما قواطه الحية المقاومة.. استراتيجية حسم الصراع يحاول فيها نتنياهو نقل كيانه من استراتيجية إدارة الصراع إلى حسم الصراع.

هدف استراتيجية إدارة الصراع هو استثمار المعارك العسكرية والمفاوضات السياسية في كسب الوقت لتغيير الواقع على الأرض لصالح الكيان – خاصة إقامة المستوطنات - لتثبيت وجود "إسرائيل الكبرى" جغرافياً من البحر إلى النهر، و"إسرائيل الكبرى" سياسياً بواسطة التطبيع الذي تكون فيه "إسرائيل" المُهيمنة والرائدة لدول المنطقة كرأس حربة لأميركا والغرب.

هدف إقامة "إسرائيل الكبرى" بالبُعدين الجغرافي والسياسي لم يتغيّر، ولكن الوسيلة إلى ذلك هي التي تغيّرت في عهد الحكومة الإسرائيلية الحالية برئاسة نتنياهو خاصة بعد اندلاع حرب "طوفان الأٌقصى"، ولم يُخفِ نتنياهو هدفه ووسيلته، فقد صرح في إحدى مقابلاته الصحفية بـ "أنَّ حُلمه هو إقامة إسرائيل الكُبرى" كهدف كبير له، وصرّح مرات عديدة بأنَّ وسيلته لذلك هو "تحقيق النصر الحاسم" الذي يعني حسم الصراع بفرض الإرادة الصهيونية إسرائيلياً وغربياً على الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية وقواهم الحية المقاومة.

النصر الحاسم أو حسم الصراع كوسيلة لهدف إقامة "إسرائيل الكبرى" مجرد وهم في عقل نتنياهو تُبدّده حقائق الواقع وسنن التاريخ وتجارب الشعوب وآيات القرآن... فمهما امتلك "جيش" الكيان الصهيوني من قوة وتقنية عسكرية تدميرية متحررة من أي ضوابط إنسانية وأخلاقية وقانونية، ومهما امتلك من قدرة من نفير وحشد القوة الذاتية والخارجية وتوظيف حالة الضعف والعجز في الأمة، فإنّ النصر الحاسم وحسم الصراع وهمٌ بعيد المنال يصل إلى درجة المستحيل، وسيبقى كذلك حتى مطلع فجر الأمة من جديد.

هذا الوهم تُبدّده حقيقة أنَّ الكيان الصهيوني ما زال يعيش منذ نشأته مأزقه الأمني الوجودي الدائم، ويغرق في مرض "عصاب المصير" المزمن، وهما - المأزق والمرض- حالة من الخوف الجمعي الدائم والمزمن من الزوال، بفعل عوامل خارجية وداخلية، وكل الطاقة الدموية والروح الوحشية للكيان التي تُرجمت في حرب الإبادة تقتيلاً وتدميراً للبشر والشجر والحجر لم تستطع أنْ تخلّصه من مأزقه الأمني الوجودي وعصابه المزمن المصيري، بل زاد المأزق عُمقاً وشدِة وتضخم المرض رسوخاً وشدة.

هذا الوهم تُبدّده حقيقة أنَّ الكيان الصهيوني ما زال أكثر الأماكن خطراً على اليهود في العالم، على النقيض من الرواية الصهيونية ليهود العالم لتشجيعهم على الهجرة إلى "إسرائيل"، ومُلخصها مقولة "إسرائيل أكثر البلاد والأماكن أمناً لليهود في العالم"، ورغم ما يملكه الكيان من قوة تدميرية وتقنية علمية فقد تعرض مستوطنوه في أثناء حرب الإبادة لخطر أمني يُهدد حياتهم بواسطة الصواريخ والطائرات المُسيرة من محور المقاومة في غزة ولبنان واليمن وإيران.. وكذلك وصول رجال المقاومة الفلسطينية إلى مستوطنات غلاف غزة في بداية الحرب ضمن هجوم "طوفان الأٌقصى".

هذا الوهم تُبدّده حقيقة أنَّ الكيان الصهيوني بكل ما يملك من جبروت القوة ووحشية القتل وهمجية التدمير.. لم يستطع تهجير الشعب الفلسطيني في قطاع غزة من أرضه وإخراجه من وطنه.. وما زال الشعب الفلسطيني، بالرغم من حرب الإبادة بصورها المختلفة في كل فلسطين المُحتلة عام 1948م و 1967م يعيش بغالبيته داخل فلسطين وعدده يساوي أو يزيد عدد المستوطنين اليهود الغزاة فيها.. بعد فشل كل مشاريع التهجير الجبري المباشر بطرد السكان أو التهجير الجبري غير المباشر بتدمير مقومات الحياة في قطاع غزة والضفة الغربية.

هذا الوهم تُبدّده حقيقة فشل الكيان الصهيوني أثناء حرب الإبادة الوحشية في انتزاع إرادة القتال والنصر لدى الشعب الفلسطيني ومقاومته والشعب اللبناني ومقاومته والأمة وقواها الحية الرافضة للاستعمار والإذلال والعاشقة للاستقلال والعزة.. وإرادة القتال والنصر تتجسد في التمسك بإرادة تحرير فلسطين الكاملة وعودة اللاجئين إليها، وتتجسد في إرادة استمرار الوجود والصمود والمقاومة داخل فلسطين، وهذه الإرادة الوطنية الفلسطينية ومعها إرادة الأمة قومياً وإسلامياً تتناقض مع وهم حسم الصراع الصهيوني، لأنها إرادة تُبقي الصراع حياً فاعلاً وحيوياً صاعداً حتى حسم الصراع لصالح الشعب والأمة.

هذه الحقائق الواقعية وغيرها من حقائق واقعية وتاريخية وقرآنية تُبدّد وهم حسم الصراع بالرؤية الصهيونية في عقل نتنياهو، عبّر عنها بطريقة أخرى المفكر المصري عبد الوهاب المُسيري في موسوعته "اليهود واليهودية والصهيونية"، وفيه هذه الفقرة :" إنَّ إسرائيل تتفكك من الداخل بسبب تناقضاتها الداخلية، وتآكل قيمها الصهيونية، وعدم يقين سكانها بمستقبلهم، وفشلهم في تهجير كل الفلسطينيين.. ودور المقاومة في تعجيل نهاية إسرائيل". وما قاله المُسيري لا ينقض فقط حسم الصراع بالمفهوم الصهيوني، بل يؤكد الحقيقة المقابلة لها وهي حتمية حسم الصراع بالمفهوم الوطني والقومي والديني لصالح الشعب والأمة.

حسم الصراع لصالح الشعب والأمة يحتاج منّا الخروج من أماني النصر والتحرير إلى مشروع النصر والتحرير.. هذا المشروع يحتاج إلى وضوح الرؤية، وسطوع الهدف، وتحديد الوسيلة، ودقة التخطيط، وقوة الإعداد، وفاعلية العمل، ونجاعة التنفيذ... مشروع نصر وتحرير داخل فلسطين ركائزه الوجود والصمود والمقاومة، الشعب طليعته والوحدة أساسه.. مشروع نصر وتحرير خارج فلسطين جبهته عربية وإسلامية موحدة، ومحوره المقاومة، وبوصلته فلسطين، وقبلته القدس.

اخبار ذات صلة