لم تكن الفرحة التي عمّت شوارع مدينة غزة عابرة أو احتفالًا عاطفيًا عابرًا، بل جاءت كتعبير جماعي عن لحظة مفصلية طال انتظارها، عقب الإعلان عن إغلاق ملف آخر جندي إسرائيلي محتجز داخل القطاع، هذا التطور، الذي رآه كثيرون نقطة تحول في مسار طويل من المعاناة والقلق، أعاد إلى الغزيين شعورًا افتقدوه منذ شهور: التقاط الأنفاس.
رغم الركام الذي يملأ الشوارع، والخراب الذي يخيّم على الأحياء، خرج المواطنون يتبادلون التهاني، وكأنهم يعلنون نهاية مرحلة ثقيلة وبداية أخرى يأملون أن تكون أقل قسوة، مرحلة التهدئة الشاملة وإعادة الإعمار.
فرحة ممزوجة بالحذر
لكن هذه الفرحة لم تكن خالية من الحذر؛ فغزة التي خبرت خيبات الوعود المؤجلة، تدرك أن الفرح فيها غالبًا ما يكون هشًا، ومع ذلك، رأى كثير من السكان في إغلاق ملف الأسرى خطوة أساسية لإزالة واحدة من أهم الذرائع التي استخدمت لتبرير استمرار الحرب وتعطيل الحلول.
ويؤكد المواطنون أن إنهاء هذا الملف لا يعني نهاية المعاناة، لكنه قد يفتح نافذة أمل حقيقية لوقف دائم لإطلاق النار، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية، وبدء إعادة إعمار ما دمّرته الحرب.
أصوات من الميدان
يقول أبو محمد (52 عامًا)، نازح من حي الشجاعية: "اليوم شعرنا أن هناك شيئًا تغيّر، ربما لأول مرة منذ زمن طويل نحس بوجود أفق، ملف الأسرى كان عقدة كبيرة، ومع إغلاقه لا بد من الانتقال إلى مرحلة إعمار حقيقية، لا مجرد وعود على الورق".
أما أم أحمد (38 عامًا)، وهي أم لأربعة أطفال وتسكن في حي النصر، فعبّرت عن فرحتها الممزوجة بالخوف قائلة: "فرحتنا كبيرة، لكن القلق لا يفارقنا، نريد الأمان لأطفالنا، نريد عودة المدارس، نريد بيوتًا بدل الخيام، المرحلة المقبلة يجب أن تكون للناس، لا للسياسة".
من جهته، يرى أحمد محمد (26 عامًا) من سكان تل الهوى أن إغلاق ملف الجنود يسقط أي مبرر لاستمرار الحرب، ويقول: "نريد فرص عمل، نريد أن نعيش مثل باقي شباب العالم، الإعمار ليس اسمنتًا فقط، الإعمار كرامة وحياة."
أما رياض العبد (60 عامًا)، صاحب محل تجاري دُمّر بالكامل، ونازح من حي الشجاعية، فقد عبّر عن أمله المشوب بالتعب: "محلي صار ركام، وكل حياتي كانت فيه. إذا كانت هناك مرحلة ثانية فعلًا، نريد تعويضًا عادلًا وسريعًا، لا انتظار سنوات. تعبنا."
المرحلة الثانية: آمال كبيرة وتحديات أكبر
ويرى مختصون أن المرحلة المقبلة ستكون الأصعب، إذ تتطلب التزامًا جادًا من جميع الأطراف، وضمانات دولية حقيقية تمنع تكرار العدوان. فإعادة إعمار غزة لا تقتصر على إزالة الركام، بل تشمل: "إعادة بناء المنازل والبنية التحتية - إنعاش الاقتصاد المحلي وخلق فرص عمل - معالجة الآثار النفسية، لا سيما لدى الأطفال - فتح المعابر بشكل دائم ومنتظم".
في المقابل، يخشى المواطنون أن يتحول ملف الإعمار إلى ورقة سياسية طويلة الأمد تُستخدم للمساومة، كما حدث في تجارب سابقة.
أمل حذر في مدينة منهكة
غزة لا تحتفل بنصر كامل، بل ترفع راية أمل حذر. أهلها لا يطالبون بالمستحيل، بل بحياة طبيعية: بلا طائرات، بلا قصف، وبلا انتظار خبر عاجل قد يقلب يومهم رأسًا على عقب.
إغلاق ملف الأسرى، بالنسبة للغزيين، ليس نهاية القصة، بل بداية اختبار جديد. ففي مدينة أنهكتها الحروب، جاءت هذه اللحظة كاستراحة قصيرة في سباق طويل مع الألم. وبين التفاؤل والخشية، يقف سكان غزة على أعتاب مرحلة جديدة، يعلّقون آمالهم على أن تكون المرحلة الثانية بداية فعلية لإعادة الإعمار، لا مجرد عنوان عريض.