قائمة الموقع

بالصور من قلب خيمة مهترئة.. مرح الزعانين تخاطب العالم بالريشة والألوان

2026-01-29T16:59:00+02:00
مرح الزعانين.jpg
شمس نيوز - نضال أبو شربي

لم يكن الخوف وحده ما يملأ المكان، ولا الجوع فقط، بل ذلك التوتر الخانق الذي يسبق وصول المساعدات، حين تتشابك الأصوات، وتضطرب القلوب، ويصبح الانتظار امتحانًا قاسيًا للأعصاب، في إحدى تلك اللحظات، خرجت من داخلي صرخة لم تكن صوتًا مسموعًا، بل انفجارًا صامتًا للروح، صرخة علقت في صدري، ولم تجد طريقها إلى الخارج إلا عبر الرسم.

مرح خالد الزعانين، ابنة الثمانية عشر عامًا، تمتلك موهبة الرسم منذ طفولتها، قبل أن تأتي الحرب لتعيد تشكيل ملامح الحياة من حولها، ومع اندلاع العدوان، لم تبتعد عن فنها، بل اقتربت منه أكثر، وجعلته ملاذها الوحيد، ومساحتها الخاصة للهروب من واقع قاسٍ لا يرحم.

تعيش مرح اليوم في مدرسة تحولت إلى مركز إيواء، حيث تفتقر البيئة إلى أبسط مقومات الإبداع؛ فالهدوء شبه معدوم، والمساحة ضيقة، والخصوصية غائبة، أما التحدي الأكبر، فيتمثل في النقص الحاد في أدوات الرسم، التي بات الحصول عليها أمرًا بالغ الصعوبة، وإن وُجدت، نادرًا ما تتوفر بالجودة أو الأحجام التي تحتاجها.

منذ الأيام الأولى للحرب، بدأت مرح بالرسم، لم يكن الأمر هواية أو ترفًا، بل وسيلة نجاة، تقول: "كنت أرسم الشهداء، صديقتي تجلب لي صورة عمتها التي استشهدت، أو صورة صديقتها التي غابت فجأة، فأحاول أن أعيد لها ملامحها، كأنني أقاوم الفقد بالريشة، كنت أريد أن تصل رسالتنا للعالم: نحن عانينا كثيرًا، وتعبنا أكثر مما يُحتمل".

في داخلها تراكمت طاقة هائلة من الحزن والغضب، استطاعت أن تُفرغ جزءًا منها عبر لوحاتها، بينما لم يتمكن كثيرون من حولها من الصمود نفسيًا، كانت مرهقة إلى حد الانهيار، فالحرب لم تسرق البيوت فقط، بل انتزعت الطمأنينة، وعلّقت الحياة عند نقطة الألم، ومع ذلك، بقي داخلها إصرار واحد لا يتزعزع: نحن نريد أن نعيش.

حلمها يبدو بسيطًا، لكنه في غزة حلم عظيم: أن تدرس الفن، وأن تفتتح يومًا معرضها الخاص، ورغم أن منزل العائلة دُمّر، وأن الخيمة التي تسكنها صغيرة ومكتظة، قررت أن تحوّل مساحة نومها إلى معرض مصغّر، أرادت أن تقول للعالم إن الأحلام يمكن أن تولد حتى في الخيام.

لوحات مرح ليست حكايتها وحدها؛ إنها تمثل كل فتاة في عمرها في غزة، وكل امرأة، وكل طفل عاش الحرب. كل لوحة تختصر خوفًا، وجوعًا، وفقدًا، وصبرًا طويلًا.

تعمل حاليًا على لوحة تحمل عنوان "الخارج من الجحيم"، تجسّد شخصًا ينجو من جحيم ليجد نفسه أمام جحيم أكبر، تقول: "هكذا نعيش هنا، ننجو من موت، لنواجه موتًا آخر".

تنشر مرح أعمالها على منصة "تويتر"، لكن الطريق هناك لم يكن سهلًا أيضًا، فعندما كانت ترسم علم فلسطين، كان حسابها يُحظر أو يُغلق، ما اضطرها لاستخدام البطيخة رمزًا لوطنها، لتقول ما لا يُسمح لها بقوله مباشرة.

ريشتها حملت وجوه الأبطال، رسمت الطبيب حسام أبو صفية، الذي صمد في شمال غزة حين غادر كثيرون، وبقي واقفًا وسط استشهاد زملائه حتى لحظة اعتقاله، ورسمته وهو يخرج بين الدبابات وفوق الركام.

كما رسمت محمود درويش، الذي أوصل صوت فلسطين بالكلمة، وغسان كنفاني الذي كتب وجعها روايةً بعد رواية. ورسمت أبو عبيدة تكريمًا له، لأنه كان صوت غزة في واحدة من أكثر مراحلها قسوة، ولأن حزن الناس عليه كان حزن شعب بأكمله.

كما رسمت الصحفي صالح الجعفراوي بعد استشهاده، لأنه نقل معاناة غزة إلى العالم، وكان شاهدًا بالكاميرا على الألم اليومي. تؤكد مرح أن كل لوحة رسمتها لم تكن مجرد صورة، بل رسالة، وذاكرة، ووفاء.

حين يهدأ المكان وينام الجميع، تجد مرح وقتها الوحيد للرسم. في تلك الساعات المتأخرة، وتحت ضوء خافت، تمسك بمرسمها، وتحاول أن تخلق لحظات من الجمال وسط واقع قاسٍ، وأن تُبقي صوتها الفني حيًا رغم كل شيء.

 

تقول: "كنت أرسم ليلًا، فالنهار كان مزدحمًا بالضجيج، وبمحاولات النجاة، وبالأعمال التي تفرضها الحياة في الخيام، أحيانًا كان والدي غائبًا، وأختي تضيء لي بالكشاف، فأكمل الرسم، كل لوحة لها قصة، ولها صوت، ولها لحظة عشتها".

فرغم تدمير بيتها، وتوقف حياتها لعام كامل، وانقطاع تعليمها، تؤكد مرح أن حلمها لم يمت، ما زالت مستمرة، وتريد للناس أن يروا غزة كما عاشتها، لا كما تُختصر في الأرقام والعناوين.

تحلم بيوم تجمع فيه كل أعمالها في معرض واحد، يدخل الناس إليه لا ليروا اللوحات فقط، بل ليسمعوها، فكل لوحة، بالنسبة لها، ليست لونًا على قماش، بل صرخة، وذاكرة، وشهادة من غزة.

في غزة، لا تنتهي الحكايات عند الدمار، ولا تموت الأحلام تحت الركام، من خيمة ضيقة، تولد لوحات تشبه الصرخات المؤجلة، وتحمل وجوه من غابوا ولم يغيبوا، هذه ليست قصة فنانة فحسب، بل شهادة جيل كامل حُرم من الأمان، ولم يُحرم من الأمل.

بالريشة، تُقاوم مرح النسيان، وتكتب ما عجز العالم عن سماعه. تقول: نحن لسنا أرقامًا، نحن بشر نحلم ونبدع ونتمسك بالحياة.

قد تُحاصر اللوحات، وقد تُمنع الألوان، لكن الحلم في غزة لا يُقصف… بل يُرسم، مرة بعد مرة، حتى يرى النور.

اخبار ذات صلة