لم يعد نقل الأحداث في غزة مجرد مهمة مهنية، بل تحوّل إلى عبء نفسي وإنساني ثقيل. فالصحفيون والناشطون المحليون لم يكونوا شهودًا من مسافة آمنة، بل عاشوا القصف والخوف والفقدان، ثم حملوا مسؤولية توثيق الألم ونقله للعالم. وبين ضغط الواقع وقسوة المشاهد، باتت الحقيقة تُنقل بثمن نفسي لا يُرى، لكنه حاضر في تفاصيل من يوثقون الحرب يوميًا.
تجربة ميدانية قاسية
تصف الصحفية سالي ثابت، مراسلة قناة الكوفية، تجربتها خلال تغطية الحرب بأنها من أكثر المراحل قسوة على المستويين الإنساني والنفسي، مؤكدة أن منع الاحتلال دخول الصحفيين الأجانب حمّل الصحفيين المحليين عبئًا مضاعفًا، إذ وجدوا أنفسهم في مواجهة مباشرة مع الحدث دون أي هامش للحماية أو التناوب.
وتشير ثابت إلى أن التعرض المتكرر لمشاهد القصف والمجازر ترك أثرًا نفسيًا عميقًا لا يزال حاضرًا في ذاكرتها، خاصة خلال عملها داخل مستشفى شهداء الأقصى، حيث كانت تتجه تلقائيًا إلى قسم الاستقبال مع كل غارة، بدافع الخوف والشعور بالمسؤولية في آنٍ واحد.
وتستعيد واحدة من أكثر اللحظات إيلامًا، حين ظُنّ أن طفلة نجت من القصف، قبل أن يتبيّن لاحقًا استشهادها، وهو مشهد تقول إنه ظل عالقًا في ذاكرتها، كجزء من تراكم صدمات لم يكن هناك وقت للتعامل معها.
وتضيف سالي أن استهداف الصحفيين أو أفراد من عائلاتهم زاد من حدة الإنهاك النفسي، وفتح تساؤلات مؤلمة حول كلفة التغطية ومعناها، إلا أن التضامن بين الزملاء شكّل، بحسب تعبيرها، مساحة دعم ضرورية لمواجهة الخوف والانكسار، رغم أن آثار الحرب النفسية لم تنته بانتهاء المهمة الإعلامية.
العبء النفسي للناشطين
من جانبها، تتحدث الناشطة على منصة إنستغرام بنان عاشور عن التحوّل القاسي الذي عاشته خلال الحرب، قائلة إن توثيق الأحداث لم يكن فعلًا محايدًا، بل تجربة نفسية مرهقة:
"تحولي من شخص يعيش الحدث إلى شخص يوثّقه أثّر كثيرًا على شعوري الإنساني. كنت أضطر للخروج من مكاني لساعات فقط لأتمكن من الاتصال بالإنترنت، وسط صعوبات في شحن الهاتف أو الحصول على بطاقة نت أو حتى شريحة SMS، في ظل القصف المستمر وانقطاع الاتصالات."
وتضيف عاشور أن الشعور بالمسؤولية تجاه نقل المعاناة للعالم دفعها مرارًا إلى المجازفة بحياتها، رغم إدراكها لخطورة الخروج في ظروف غير مستقرة،
مؤكدة أن كل صورة ومشهد كانت توثقه يترك أثرًا نفسيًا مضاعفًا، لأنها تعيش الألم وتعيد استحضاره في الوقت نفسه.
أثر نفسي طويل الأمد
بدوره، يؤكد الأخصائي النفسي الدكتور محمود البراغيتي أن التعرض المستمر للمشاهد الصادمة يؤدي إلى استنزاف نفسي تدريجي لدى الصحفيين والناشطين، ويقوّض شعورهم بالأمان والسيطرة الانفعالية.
ويوضح أن غياب التفريغ النفسي والدعم المتخصص يسهم في ظهور أعراض مثل التبلد العاطفي، فقدان الدافعية، وتراجع الإحساس بالمعنى، وهي مؤشرات خطيرة تهدد الاستمرار في الدور المهني والإنساني على حد سواء.
ويشير البراغيتي إلى أن آثار الصدمة غالبًا ما تظهر بعد هدوء الصراع، في شكل اضطرابات نوم، قلق دائم، وإجهاد جسدي ونفسي، محذرًا من أن تجاهل هذه الأعراض قد يؤدي إلى اضطرابات مزمنة مثل الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة.
في غزة، لا يقف الصحفي أو الناشط خلف المشهد، بل يكون جزءًا منه. يعيش الخوف كما يرويه، ويتحمّل الألم قبل أن ينقله. ومع كل صورة تُنشر وكل قصة تُروى، تتراكم الأسئلة الصامتة حول قدرتهم على الاستمرار دون أن يخسروا شيئًا من ذاتهم. ورغم الاستنزاف النفسي والجسدي، يواصل هؤلاء نقل الحقيقة.
