قائمة الموقع

بالصور الفن تحت القصف.. حكاية فنانتين تعيدان نبض الحياة من قلب النزوح في غزة

2026-02-09T11:09:00+02:00
ألوان
شمس نيوز - نضال أبو شربي

في مدينةٍ تُحصى أيامها على إيقاع الغارات، ولا يُترك لأحلامها سوى مساحة خيمة، ينهض الفن بوصفه فعل بقاء، هنا، لا تكون الألوان ترفًا، ولا الفرشاة زينة لواقعٍ مثقل بالجراح، بل وسيلة نجاة وصوتًا بديلًا للحياة، من هذا المشهد القاسي، خرجت تجربة الفنانتين شهد رجب وفرح عجور، لتقول "إن الإبداع في غزة لا يُقصف، بل يشتدّ تحت النار".

نزوح قسري.. وبداية مختلفة للفن
مع تصاعد الحرب، اضطرت شهد وفرح إلى مغادرة منازلهما، تاركتين خلفهما المراسم والأدوات وكل ما يمنح الفن طمأنينته، وفي أماكن الإيواء المؤقتة، حيث تنقطع الكهرباء ويضيق الأفق، بدا التفكير في الرسم ضربًا من المستحيل، غير أن النزوح، بكل قسوته، لم يطفئ الرغبة، بل أعاد تشكيلها.
تصف فرح النزوح بأنه صدمة نفسية لا تقل قسوة عن القصف، إذ تحوّل الخوف إلى رفيق يومي، وفُقد الإحساس بالأمان.
أما شهد، فوجدت نفسها أمام معركة مزدوجة: تأمين احتياجات الأسرة من جهة، ومحاولة الإمساك بخيط الفن من جهة أخرى، في ظل غياب أبسط الأدوات.
معيقات ثقيلة.. فن بلا أدوات
لم تكن الصعوبات مادية فقط، بل نفسية أيضًا، أخبار الشهداء، فقدان الأصدقاء، القلق المستمر، وانعدام الاستقرار، كلها أثقلت الروح، ومع ذلك، لم تتوقفا، تقول فرح: "أخذ النزوح كل شيء، حتى الشعور بالأمان، لكن الرسم كان الشيء الوحيد الذي أعادني إلى نفسي، كنت أرمّم روحي قبل أن أرمّم المكان".
وفي المقابل تقول شهد بمرارة: "في الأيام الأولى لم أملك سوى أقلام بسيطة وورق عادي، لكنني كنت بحاجة للرسم كي لا ينفجر كل ما بداخلي".

ماذا انجزتا خلال الحرب؟
اختارت شهد أن تجعل من فنها شهادة بصرية على الواقع، فرسمت وجوهًا حقيقية التقتها في الشوارع، وفي مراكز الإيواء، وعلى أطراف الخيام، لم تكن لوحاتها خيالًا، بل ذاكرة حيّة تنقل الخوف والصمود والأمل المؤجل.
في المقابل، قررت فرح أن تخرج بالفن إلى الفضاء العام، على شاطئ بحر غزة، حوّلت الأكشاك الخشبية المنهكة إلى معرض مفتوح، هناك، حيث يلتقي البحر بالوجع، وُلدت جداريات تواجه الرماد بالألوان.
تقول فرح: "الناس كانت بحاجة لرؤية لون واحد وسط هذا السواد، حين كانوا يتوقفون، يبتسمون أو يبكون، كنت أعرف أن للفن معنى".

شهادة حياة لا تُمحى
لم تسعَ الفنانتان إلى سرد ما تهدّم فقط، بل إلى تثبيت ما تبقى، كانت كل لوحة ردًا على المحو، وكل لون محاولة لحماية الذاكرة من التحول إلى رقم.
تشير شهد إلى أن الأخبار اليومية عن الشهداء كانت تثقلها، لكنها كانت تعود للرسم لا لأنها قوية، بل لأنها لا تملك خيارًا آخر.
أما فرح، فتتحدث عن شحّ الأدوات، وعن محاولات متكررة لخلط بقايا الألوان أو استخدام أي مادة متاحة لإكمال لوحة.

الفن كفعل مقاومة
بالنسبة لشهد وفرح، لم يعد الفن مجرد ممارسة جمالية، بل لغة صمود، تؤكد فرح أن الفن في غزة شكل من أشكال المقاومة الهادئة، لا يوقف الحرب، لكنه يحمي الإنسانية من التآكل. وتختم شهد: "طالما نرسم، فنحن ما زلنا هنا، وما زالت لدينا حكاية تستحق أن تُروى".
في مدينةٍ تحارب لتبقى، تواصل الألوان مهمتها الأصعب: "قول الحقيقة، والحلم رغم كل شيء، لم تعد الأكشاك الخشبية مجرد ألواح صمدت أمام الريح، بل تحولت إلى ذاكرة مفتوحة، كما لم تعد الوجوه المرسومة مجرد ملامح، بل أسماء وحكايات ترفض النسيان.
هكذا، من بين خيمةٍ ولوحة، ومن قلب نزوحٍ قاسٍ، يخرج الفن في غزة لا بوصفه زينة للحياة، بل دليلًا عليها؛ صرخة هادئة تؤكد أن هذه المدينة، رغم كل الخراب، ما زالت ترى… وما زالت تحلم… وما زالت تلوّن مستقبلها بأيدي أبنائها.

اخبار ذات صلة