في ظل دمار هائل لحق بالبنية التحتية التعليمية، حيث خرجت نحو 97% من المدارس عن الخدمة، اجتمع خبراء وتربويون ومسؤولون حكوميون في جلسة طارئة لمناقشة مستقبل أجيال كاملة تواجه خطر ما يُعرف بـ"فقر التعليم".
الجلسة الحوارية، التي نظمها مركز التنمية والإعلام المجتمعي يوم الاثنين ضمن مشروع "تعزيز المساءلة الدولية وحماية حقوق الإنسان وإعادة تأهيل الفضاء المدني في قطاع غزة"، لم تكن مجرد لقاء روتيني، بل جاءت كصرخة استغاثة، ومحاولة جادة لرسم خارطة طريق محفوفة بالتحديات والآمال.
"لدينا 500 مدرسة غير صالحة للاستخدام من أصل 564"، بهذه الكلمات الصادمة افتتحت الأستاذة ريهام حسنين، مديرة المشروع، حديثها، كاشفةً حجم الكارثة التي أصابت قطاع التعليم. وأضافت أن العديد من المدارس المتبقية تحولت إلى مراكز إيواء للنازحين، ما فاقم من أزمة انقطاع الطلبة عن مقاعدهم الدراسية.
وحذّرت حسنين من تفشّي ظاهرة "فقر التعليم"، موضحةً أن "الطالب اليوم يفتقر إلى المهارات الأساسية التي تمكّنه من قراءة نص بسيط، وهو ما يُعد نتيجة طبيعية لانهيار المنظومة المجتمعية بأكملها".
خيام تعليمية وأساليب مبتكرة
من جهته، أوضح مدير مديرية شرق غزة، الدكتور منير زعيتر، أن وزارة التربية والتعليم، بالتعاون مع المؤسسات الشريكة، لجأت إلى إنشاء "نقاط تعليمية مؤقتة" داخل الخيام وفي الأحياء، في محاولة للحفاظ على استمرارية العملية التعليمية.
لكن المشهد داخل هذه الخيام يعكس حجم المأساة، إذ يجلس بين 30 و50 طالبًا على الأرض داخل خيمة واحدة، ويتلقون تعليمهم على فترتين. وأكد زعيتر أن هذه المبادرات، على أهميتها، لا تزال عاجزة عن استيعاب الأعداد الهائلة من الطلبة.
بدورها، أكدت الصحفية والكاتبة الثقافية فاطمة شرقاوي أن التحدي لا يقتصر على توفير مقعد دراسي فحسب، بل يمتد إلى كسر الحاجز النفسي بين الطالب والتعليم، قائلة: "الطالب اليوم يحتاج إلى التعلّم بالحب، فهناك فجوة نفسية عميقة تعيق تفاعله مع العملية التعليمية".
ودعت شرقاوي، التي أطلقت مبادرة "أجنحة الذاكرة"، إلى إحداث تحول جذري في أساليب التعليم، من خلال الاعتماد على القصة والأغنية والتمثيل كأدوات ثقافية وعلاجية، لمواجهة اضطراب الهوية والصراع الداخلي الذي يعاني منه الأطفال في غزة.
ويبرز دمج الدعم النفسي بالتعليم أيضًا في حديث غدير عطا الله، المختصة في رياض الأطفال، التي أشارت إلى أن البديل عن المراكز التعليمية المدمرة كان إنشاء "مساحات تعليمية" تعتمد على اللعب، والتعلم النشط، وتقديم الدعم النفسي للأطفال في آن واحد.
فئات أكثر تضررًا
لم تكن معاناة الطلبة متساوية، إذ تواجه بعض الفئات تحديات مضاعفة. وفي هذا السياق، يقول نضال أبو حسين، من جمعية "الحق في الحياة" لأطفال متلازمة داون، إن تدمير المراكز المتخصصة وفقدان بيانات الطلبة شكّل ضربة قاسية لهذه الفئة، مؤكدًا أن الأطفال من ذوي الإعاقة بحاجة ماسة إلى بيئة تعليمية خاصة، وإلى دمجهم مع أقرانهم لتجاوز العزلة النفسية والاجتماعية.
خارطة طريق لإنقاذ التعليم
وخرجت الجلسة برؤية شبه موحدة لإنقاذ قطاع التعليم، حيث شدد أبو حسين على ضرورة تخفيف الأعباء الاقتصادية عن كاهل الأهالي، من خلال توفير تعليم مجاني في أماكن آمنة وقريبة من أماكن سكنهم. كما علت الأصوات المطالبة بدمج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وتوفير معلمين متخصصين، إضافة إلى تلبية احتياجاتهم الصحية والطبية.
وعلى الصعيد التربوي، دعا الدكتور حكمت نبيل المصري إلى تطوير الكادر التعليمي، والتركيز على جودة التعليم لا كميته، إلى جانب توحيد جميع المبادرات ضمن برنامج وطني شامل، يضمن عدم ترك أي طفل خارج المنظومة التعليمية.
ورغم حجم الدمار غير المسبوق، أظهرت الجلسة أن إرادة الحياة والتعلم في غزة لا تزال أقوى من كل محاولات المحو. فمن رحم المعاناة تولد حلول مبتكرة، وتبرز مبادرات شجاعة، لتبقى الرسالة الأسمى التي خرج بها المشاركون أن الشعب الفلسطيني، وتحديدًا في قطاع غزة، يراهن على التعليم كسلاح لا يُقهر في معركة البقاء وبناء المستقبل، وينتظر من العالم أن يدعم هذا الرهان.
