قائمة الموقع

ميليشيات الخط الأصفر

2026-02-10T11:41:00+02:00
عصابات عميلة - عملاء.png

كتبت: هدى بارود

لماذا اختار الاحتلال الإسرائيلي أسخفَ الناس كبديلٍ عن الشرطة أو "الأمن" الفلسطيني/الفلسطيني في غزة؟

قبل السابع من أكتوبر، كان يُعامل الاحتلال غزة باعتبارها منطقةً جغرافية يمكن السيطرة عليها، وساعدت محدودية مساحتها وجغرافيتها المستوية في تحديد وتوقّع نسبة خطورتها.

وتمكّن الاحتلال، عبر سياسةٍ ممنهجة بدأت بالحصار المادي الكامل، ثم تطوّرت بالتدريج إلى تعزيز المراقبة تكنولوجياً عبر الطائرات بدون طيار -الزنّانة - والجدار الأمني الذكي، ومراقبة الهواتف المحمولة وشبكات الاتصالات، ومن ثم صناعة حروب وعدوانات قصيرة الأمد تزيد المواطن المُرهق المحاصر فيها إرهاقاً وحصاراً، من فرض سيطرته الأمنية والاقتصادية عليها.

خلال هذه الفترة، ما بين يونيو 2007 وحتى أكتوبر 2023، كان الأمن في غزة حاضراً بشكل لا يمكن تهميشه -اختلفنا أو اتفقنا مع ممارساته- وكان يحمل هويةً فلسطينية أذابت، بشكلٍ مقصود وغير مقصود أحياناً، انتهاكاته للحريات الشخصية، وغلاظته في التعامل مع معارضي الحكومة في غزة، بعيداً عن بدايته التي كانت بعد صراعٍ فلسطيني/فلسطيني محمومٍ بالدم.

فلماذا تقبّل الناس أجهزة الأمن في غزة، ولم يتقبّلوا عصابات الميليشيات المرتبطة بالاحتلال؟

إن الأمر لم يرتبط بوقت ومكان ظهورهم تحت تعريف "القوات الشعبية"، إذ إنهم كانوا حاضرين قبل تعيين الاحتلال للخط الأصفر، وإيكال مهام أمنية وتنظيمية لهذه العصابات.

كانوا موجودين كقُطّاع طرق، ولصوص، وتجار مخدرات، ساهموا بأمرٍ من الاحتلال، ودعمٍ وحمايةٍ منه، في خلق وتعزيز المجاعة في غزة أثناء عامي الإبادة، وكان من السهل تمييزهم إن حضروا بين الناس بسبب أسلحتهم وعرباتهم، وتحركهم المطمئن رغم وجود طائرات استطلاع جوية إسرائيلية بكثافة فوقهم.

وفي الوقت الذي فشل الاحتلال فيه بتنفيذ خطته بتحويل العشائر والعائلات في غزة إلى متعاونين معه كبديلٍ عن "حماس"، كما سعى الاحتلال بعد أشهرٍ من الإبادة، بسبب رفض العشائر لذلك؛

نجحَ بشكلٍ جزئي في استبدالهم بقُطّاع الطرق، وتجار المخدرات، وبعض المنتمين سابقاً لجماعات دينية متشددة -داعش-، والذين استخدمهم سابقاً في تعزيز المجاعة وخلق الفوضى الأمنية أثناء الإبادة الكثيفة، قبل توقيع اتفاق إنهاء الحرب.

ذلك التاريخ الإجرامي القريب كان بدايةً للرفض الفلسطيني لهم، وعزّزته سخافة شخصيات قادة هذه الميليشيات بدايةً، قبل أن يلاحظ الناس لغتهم اللاأخلاقية، وميلهم للشتائم ذات الطابع الجنسي في فيديوهات نشروها لاستعراض قواتهم وتهديد "حماس".

هذا الطابع الكوميدي الذي خرج علينا به أفراد وقادة "القوات الشعبية" لا أعتقد أبداً أنه كان مخططاً له، إذ إن الاحتلال، وأثناء الترويج لهذه الميليشيات كبديلٍ عن الأمن في غزة، نشر مقالات على لسان ياسر أبو شباب، وحسام الأسطل، باللغة الإنجليزية في صحفٍ دولية عريقة، وكتب في واحدةٍ من مجلاته الأكاديمية البحثية عن هذه العصابات كنموذجٍ رافضٍ لحماس عن وعيٍ وإرادةٍ حرة، في حين قال الواقع غير ذلك.

إنهم مجموعة من المُهرّجين، لا يمتلك أيٌّ منهم ذلك الفكر واللغة اللذين يساعدانه على كتابة مقالٍ بالعربية، حتى يكتب بلغةٍ أخرى.

ناهيك عن صراعاتهم الداخلية الصبيانية، التي تسببت بمقتل أبو شباب، وإصابة الدهيني، وإفشال عددٍ من عمليات الاغتيال التي أُمروا بتنفيذها، والتي تؤكد أنهم لم ينجحوا حتى في أن يكونوا جواسيس محترفين للاحتلال.

وبعيداً عن هذا الشكل غير الجدي/المضحك لجواسيس الخط الأصفر، فإنهم عبارة عن أفراد يصنعون بيئةً مسمومة أخلاقياً واجتماعياً؛ بيئة تكثر فيها تجارة المخدرات وتعاطيها، والتحرش الجنسي، وحتى القوادة.

الأمر الذي يزيد من الرفض الاجتماعي لهم، وهو ما يعرفه الاحتلال، بالمناسبة.

لكن ما يجب أن نركز عليه الآن هو أن الاحتلال اعتاد الاعتماد على الوقت في تمرير ما يريده. الوقت الذي ساعده دائماً في عدم الالتزام بأي اتفاق هو طرفٌ فيه، والوقت الذي يعتمد عليه في ترميم صورته بعد تشويهها بالدم الفلسطيني، وهو ذاته الوقت الذي ينتظر أن يكتمل نصابه لتصبح الميليشيات مقبولةً شعبياً، بعد نسيان أو تناسي الناس لتاريخ بدايتها وهيكلها الاجتماعي والثقافي والأخلاقي.

ودورنا هو الاستمرار في تذكير الناس بسخافة وتفاهة تلك العصابات؛ هو أن نذكّر الناس بأنهم ليسوا أكثر من مهرّجين محميين بسلاح الاحتلال وقوته.

اخبار ذات صلة