غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

«الأسنان تؤلم… والأسعار تُوجِع الإنسان الفلسطيني المحاصَر»

د. عرفان اشتيوي

 

 

بقلم: د.عرفان فاروق اشتيوي

نقيب أطباء الأسنان – قطاع غزة

 

يُعدّ طبيب الأسنان أحد أعمدة المنظومة الصحية، فهو لا يخفّف ألمًا عابرًا فحسب، بل يعالج وجعًا قد يحرم الإنسان من النوم، ويمنعه من الأكل، ويصادر أبسط حقوقه الإنسانية: الابتسامة. ومن هذا المنطلق، تُصنَّف مهنة طب الأسنان ضمن المهن الإنسانية النبيلة، التي تقوم على الرحمة قبل أي اعتبار، وعلى خدمة الإنسان قبل السعي إلى المكسب.

غير أن السنوات الأخيرة شهدت تصاعدًا في تساؤلات الناس، بل وشكاواهم:

هل ما زالت هذه المهنة تُمارَس بروحها الإنسانية؟

أم أنها انجرفت، في بعض الحالات، إلى منطق التجارة والغلاء الفاحش؟

قدسية المهنة ومسؤوليتها

يتعامل طبيب الأسنان مع جزء بالغ الحساسية من جسد الإنسان، وأي خطأ—even إن بدا بسيطًا—قد يخلّف مضاعفات صحية ونفسية جسيمة. لذا، فإن الطبيب الحقيقي هو من يجمع بين الكفاءة العلمية والضمير الحي، ويُدرك أن مريضه ليس رقمًا في سجل، بل إنسان يئن من الألم ويبحث عن الطمأنينة قبل العلاج.

فالابتسامة التي يعيدها الطبيب إلى وجه مريضه ليست مجرد تحسين شكلي، بل استعادة للثقة بالنفس، وقد تكون نقطة تحوّل في حياة شخص عانى طويلًا من الألم أو الحرج أو الإهمال الصحي.

لماذا ارتفعت أسعار علاج الأسنان؟

من الإنصاف القول إن ارتفاع الأسعار لا يتحمّله الطبيب وحده، بل تقف خلفه جملة من الأسباب الموضوعية، أبرزها:

الارتفاع الكبير في أسعار المواد الطبية، مثل الحشوات، والزراعة، ومواد التعقيم.

غلاء الأجهزة والتقنيات الحديثة اللازمة لتقديم علاج آمن ومتطور.

تشديد متطلبات التعقيم والسلامة الصحية، وما يرافقها من تكاليف إضافية.

ارتفاع إيجارات العيادات، وتكاليف الكهرباء، والضرائب، والخدمات التشغيلية.

كل ذلك يضع طبيب الأسنان أمام معادلة صعبة، ويجبره في كثير من الأحيان على رفع الأسعار لضمان الاستمرار في تقديم الخدمة.

المريض بين الألم والغلاء

لكن المواطن البسيط لا يرى هذه التفاصيل المعقّدة، بل يواجه معادلة أكثر قسوة:

ألمٌ حاد + تكلفة مرتفعة = معاناة مضاعفة.

كم من مريض أجّل العلاج بسبب ضيق الحال، حتى تفاقمت حالته الصحية، واضطر لاحقًا لدفع أضعاف ما كان يمكن أن يدفعه لو تلقّى العلاج في الوقت المناسب.

أين الضمير المهني؟

السؤال الأكثر حساسية لا يمكن تجاهله:

هل جميع الأطباء مظلومون؟ قطعًا لا.

وهل جميعهم جشعون؟ بالتأكيد لا.

لكن الواقع يؤكد أن قلة—وإن كانت محدودة—استغلّت حاجة الناس وآلامهم، فبالغت في التسعير، أو حمّلت المرضى إجراءات غير ضرورية، أو تعاملت مع العلاج بمنطق الربح لا الرسالة. وهذه الممارسات، مهما كانت فردية، تُسيء إلى المهنة بأكملها، وتشوّه صورتها في نظر المجتمع.

الحلول الممكنة

حتى لا يبقى المريض وحيدًا في مواجهة الألم والغلاء، لا بد من البحث عن حلول واقعية، من بينها:

توفير دعم حكومي أو مؤسساتي لعلاج الأسنان للفئات الفقيرة والمهمّشة.

إنشاء عيادات خيرية أو اعتماد أنظمة تقسيط تراعي ظروف الناس.

فرض رقابة عادلة على الأسعار دون إجحاف بحق الطبيب.

تعزيز ثقافة الوقاية الصحية، لأن الوقاية أقل كلفة وأكثر أمانًا من العلاج.

خاتمة

إن مهنة طبيب الأسنان مهنة عظيمة ومقدسة، لكنها—كغيرها من المهن—تحتاج إلى ضمير حي، وإلى توازن عادل بين حق الطبيب في حياة كريمة، وحق المريض في علاج إنساني ميسور.

فالمريض لا يطلب المستحيل، بل يبحث عن رحمةٍ تسبق الفاتورة، وعن علاجٍ لا يضاعف ألمه بدل أن يخفّفه.

وتبقى الحقيقة الأهم:

الطب رسالة قبل أن يكون تجارة، والرحمة قبل الربح، والإنسان قبل المال.

"جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز".