بقلم: د. عرفان اشتيوي
لا تقتصر آثار حروب الإبادة على سقوط الضحايا وتهدّم البيوت، بل تتسلّل عميقًا إلى تفاصيل الجسد الإنساني، فتضرب صحته وكرامته ونظامه العلاجي. ويأتي طب الفم والأسنان في قلب هذا الاستهداف الصامت، إذ يتجاوز الضرر حدود تلف الأسنان ليصيب الإنسان والنظام الصحي في الصميم.
في مناطق الحروب، لا يعود ألم الأسنان شأنًا بسيطًا، بل يتحوّل إلى معاناة مركّبة، جسدية ونفسية وأخلاقية، تعكس حجم الكارثة الإنسانية.
أولًا: التأثيرات المباشرة على صحة الفم والأسنان
تخلّف آلة الحرب إصابات قاسية تطال الوجه والفكين بشكل مباشر، من أبرزها:
كسور الفك العلوي والسفلي نتيجة القصف والانفجارات.
فقدان الأسنان أو تفتتها بفعل الشظايا أو السقوط تحت الأنقاض.
جروح عميقة في الشفاه واللسان والخدود قد تترك تشوّهات دائمة وتشوهات وظيفية.
كما تتفاقم الالتهابات الحادة نتيجة غياب العناية الفموية، فتظهر:
التهابات لثوية شديدة ومؤلمة.
خراجات سنية غير معالجة قد تتطوّر إلى:
التهاب عظم الفك،
أو تعفّن الدم (Sepsis) في الحالات الخطيرة، ما يهدّد الحياة بشكل مباشر.
ثانيًا: التأثيرات غير المباشرة… الأخطر على المدى البعيد
1. انهيار الخدمات الصحية
يؤدي تدمير العيادات والمستشفيات إلى شلل شبه كامل في خدمات طب الأسنان، مع نقص حاد في:
مواد التخدير،
المضادات الحيوية،
أدوات التعقيم الأساسية.
وتتوقف العلاجات الوقائية تمامًا، مثل الحشوات والتنظيف والعلاج التقويمي، لتتحوّل الحالات البسيطة إلى أزمات صحية معقّدة.
2. سوء التغذية
يساهم نقص الكالسيوم والفيتامينات (A، C، D) في:
ضعف مينا الأسنان،
تأخّر التئام الجروح الفموية،
زيادة معدلات تسوّس الأسنان، خصوصًا لدى الأطفال.
3. الضغط النفسي والصدمات
يترك التوتر المزمن والصدمة النفسية آثارًا واضحة على صحة الفم، من بينها:
صرير الأسنان (Bruxism)،
آلام المفصل الفكي الصدغي،
تقرّحات فموية ذات منشأ نفسي.
ويُضاف إلى ذلك إهمال النظافة الفموية نتيجة الاكتئاب، الخوف، أو النزوح القسري.
ثالثًا: الأطفال… الضحية الأضعف
يتحمّل الأطفال العبء الأكبر لهذه الكارثة الصحية، حيث تؤدي الحرب إلى:
توقّف النمو الطبيعي للفكين،
تشوّهات في بزوغ الأسنان الدائمة،
ارتفاع معدلات التسوّس المبكر (Early Childhood Caries)،
فقدان الأسنان اللبنية في سن مبكرة، ما ينعكس سلبًا على النطق والمضغ والنمو النفسي.
إنه جيل مهدّد بتشوّهات صحية ترافقه مدى الحياة.
رابعًا: أطباء الأسنان في قلب العاصفة
يعمل أطباء الأسنان في ظروف غير إنسانية، غالبًا دون تعقيم كافٍ أو تجهيزات مناسبة، ويواجهون:
قرارات قاسية بين الخلع والعلاج التحفّظي،
ضغطًا أخلاقيًا ونفسيًا هائلًا.
وفي كثير من الأحيان، يتحوّل طبيب الأسنان إلى:
مسعف طوارئ،
أو جرّاح وجوه وفكين ميداني، في محاولة يائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الألم والتشوّه.
خامسًا: الأثر طويل الأمد بعد الحرب
لا تنتهي المعاناة بانتهاء القصف، بل تبدأ مرحلة أشد قسوة، تتجلّى في:
ارتفاع نسب الإعاقات الفكية والوجهية،
حاجة واسعة إلى إعادة التأهيل عبر:
التركيبات السنية،
الجراحات الترميمية،
والدعم النفسي.
إننا أمام جيل كامل يعاني من مشاكل فموية مزمنة، شاهدة على أن الحرب لا تقتل فقط، بل تترك جراحًا صامتة تنزف لسنوات طويلة.
في حروب الإبادة، يصبح الألم الفموي شهادة إضافية على الجريمة، ويغدو طب الأسنان مرآةً تعكس حجم الانهيار الإنساني، حيث يُقاس الخراب بعدد الوجوه المكسورة، والابتسامات التي سُرقت، والأوجاع التي لم تجد علاجًا.