قائمة الموقع

بين رائحة البهارات وغبار الركام… سوق الزاوية يحاول أن يتنفس من جديد

2026-02-23T13:44:00+02:00
سوق الزاوية
شمس نيوز - نضال أبو شربي

في قلب مدينة غزة القديمة، حيث تتشابك الأزقة الضيقة وتتصاعد روائح البهارات والقهوة من بين الحجارة العتيقة، كان سوق الزاوية أكثر من مجرد مكان للبيع والشراء؛ كان ذاكرةً حيّةً لمدينةٍ لا تنام، وصوتًا يوميًا لنبض الناس البسطاء وهم يفتّشون عن رزقهم وأحلامهم الصغيرة.

هناك، تحت الأقواس الحجرية وبين المحال المتلاصقة، كبرت حكايات التجار، وتعاقبت الأجيال على مفاتيح الدكاكين، وتوارث الأبناء أسرار المهنة كما يُورَّث الذهب في الخزائن القديمة. كان السوق مرآةً لروح غزة؛ صاخبًا حين تفرح، ومتماسكًا حين تضيق بها الأيام.

لكن الحرب لم تفرّق بين حجرٍ وتاريخ، ولا بين محلٍّ وذاكرة، في لحظات، تحوّل الصخب إلى صمتٍ ثقيل، وامتزجت روائح التوابل برائحة الركام، وغابت الوجوه التي اعتادت أن تملأ المكان بالحياة. لم يكن الدمار مجرد انهيار جدران، بل سقوط جزء من ذاكرة المدينة.

واليوم، وبين أنقاض الأمس، يحاول السوق أن ينهض من جديد. يزيح التجار الغبار عن أبوابهم، ويعيدون ترتيب ما تبقى من بضائعهم، وكأنهم يقولون إن الحياة في غزة قد تنحني، لكنها لا تنكسر. هكذا يعود سوق الزاوية لا كما كان، لكن بإرادةٍ تعرف طريقها جيدًا نحو الضوء.

ومع اندلاع حرب 7 أكتوبر 2023، تعرّض السوق لقصف مباشر من الطيران الإسرائيلي مما أدى إلى تدمير واسع في المحال والبنى التحتية، وتحولت أجزاء كبيرة منه إلى أنقاض.

وبين الأزقة التي عادت تتنفس بصعوبة، التقينا بعدد من التجار والبائعين أصحاب البسطات والمتسوقين الذين عاشوا السوق قبل الحرب، وشهدوا تحوّله بعدها، وهنا وجدت أبو العبد (65 عامًا) – صاحب محل بهارات منذ 40 سنة.

يقول: "السوق قبل الحرب كان لا يهدأ من الصباح الباكر حتى المساء، الزبائن تملأ المكان، في رمضان كنا بالكاد نجد وقتًا للراحة، روائح القرفة والكمون والزعتر كانت تختلط بأصوات الناس، السوق كان حياتنا".

اما بعد الحرب أضاف أبو العبد، "في يوم واحد تغيّر كل شيء، أُغلقت المحل أشهرًا، والبضاعة تلفت تحت الركام، عدتُ فوجدت نصف السوق مدمّرًا، اليوم أفتح باب المحل، لكن الحركة خفيفة جدًا الناس بالكاد تملك ثمن الطعام".

ومع الإعلان عن وقف إطلاق النار الجزئي في الفترة الأخيرة، بدأ السكان والتجار يعودون إلى ما تبقى من السوق، وخاصة بعض المحال التي لم تدمر كليًا والتي تمت إزالة الركام حولها.

فرغم الدمار، عاد بعض التجار لفتح محالهم ولو بشكل جزئي، وتحركت عجلة البيع والشراء ببطء والذي يعتبر سوق الزاوية الشعبي من أهم وأعرق الأسواق التجارية في مدينة غزة القديمة، ويمتد بين شارعي عمر المختار والوحدة، ويشكل قلب المدينة التجاري والتاريخي منذ عقود طويلة.

وكان السوق لا يقتصر على البيع والشراء، بل كان نسيجًا اجتماعيًا وثقافيًا يوميًا، يلتقي فيه الناس، ويتبادلون الأخبار، والتوابل، والبضائع المتنوعة (بهارات، ملابس، أدوات منزلية، الذهب المعروف في الزاوية القديمة).

والعديد من الأزقة القديمة، المحال التاريخية، وحتى مجاميع من الأسواق المتصلة بالسوق تعرضت لأضرار جسيمة، ما أدى إلى توقف النشاط التجاري في معظم الأجزاء المتضررة.

وحسب تقديرات، نحو 70–75% من المحال والأسواق الفرعية في المنطقة دُمِّرت أو طالتها أضرار مباشرة، وقد فقد كثير من التجار بضاعتهم وسبل رزقهم.

لم تكن الخسارة مجرد خسارة مادية، بل قُوبل السوق بـ أثر اجتماعي ولحمي؛ لأنه كان جزءًا من حياة الناس وعاداتهم، فتأثر هذا الجانب بشكل كبير بسبب توقف الحركة اليومية في السوق.

من جهته قالت أم محمد (ربة منزل) قبل الحرب "كنت أعتبر الذهاب إلى سوق الزاوية طقسًا أسبوعيًا، نشتري احتياجات البيت، ونمرّ على محلات الذهب والملابس، وكان السوق آمنًا ومزدحمًا بالحياة".

أما بعد الحرب فتقول أم محمد "حين عدتُ إليه بعد وقف إطلاق النار، لم أعرفه، محلات مغلقة، وأخرى مدمرة، شعرتُ وكأن جزءًا من ذاكرتي اختفى، حتى الأسعار تغيّرت، وأصبحنا نشتري الضروري فقط".

ومن جانبها قال أحمد (شاب يعمل في محل ملابس): "قبل الحرب "كنت أعمل في محل والدي، في المواسم كنا نشغّل ثلاثة عمال إضافيين، السوق كان يوفر فرص عمل للشباب، لكن اليوم بعد الحرب، أعمل أنا ووالدي فقط، لا قدرة على توظيف أحد، نحاول إعادة ترتيب المحل بما تبقى، لكن البضائع قليلة، والاستيراد شبه متوقف.”

فيما قال محمود أسعد يعمل في احدى محلات الذهب كان السوق قبل الحرب يتمتع برونق رائع جدا وان سوق الزاوية معروف بمحلات الذهب القديمة. كانت الأعراس تنطلق من هنا، والناس تشتري ذهبها من السوق بثقة.”

أما بعد الحرب “الذهب أصبح للضرورة القصوى. من يبيع ليسد دينًا أو ليشتري طعامًا. السوق فقد جزءًا من فرحه.”

تجمع شهادات التجار والبائعين والمواطنين وأصحاب المحلات المتواجدة والتي عادت للعمل مرة أخرى لهذا السوق على أن سوق الزاوية لم يكن مجرد مكان للتجارة، بل مساحة اجتماعية واقتصادية شكّلت ذاكرة المدينة.

قبل الحرب كان يعج بالحركة والفرص، أما اليوم فيحاول أن يستعيد عافيته وسط دمار واسع، وضعف في القدرة الشرائية، ونقص في البضائع.

ومع ذلك، يبقى صوت فتح الأبواب الحديدية كل صباح رسالة صامتة تقول إن السوق، رغم جراحه، ما زال يقاوم وينتظر عودة الحياة كاملةً إلى أزقته.

لم يكن ما أصاب سوق الزاوية مجرد دمارٍ في الحجارة أو خسارةٍ في البضائع، بل جرحًا في ذاكرة مدينةٍ اعتادت أن تختبئ خلف صخب الحياة لتقاوم الألم. هنا، في الأزقة التي حفظت أصوات الباعة وضحكات الأطفال، لا تزال آثار الحرب واضحة، لكن إرادة البقاء أوضح.

اليوم، وبين أبوابٍ أُعيد فتحها بحذر، ومحالٍ ما زالت تنتظر الإعمار، يحاول السوق أن يستعيد إيقاعه القديم. قد لا يعود كما كان سريعًا، وقد تبقى الندوب شاهدة على ما حدث، لكن غزة التي علّمت أبناءها الصبر، تعيد في كل صباح ترتيب أحلامها كما تُرتّب البضائع على الرفوف.

سوق الزاوية ليس مجرد مكان؛ إنه حكاية صمودٍ مستمرة، تُكتب كل يوم بخطوات التجار العائدين، وبإصرار الناس على أن الحياة، مهما انكسرت، لا بد أن تجد طريقها من بين الركام.

 

اخبار ذات صلة