قائمة الموقع

الحشد الأميركي ليس استعراضاً للقوة

2026-02-24T14:00:00+02:00
حاملة الطائرات الأمريكية أبراهام لينكولن.jpg

كتب | عمرو علان

لقد تخطى الحشد العسكريّ الأميركي في المنطقة عتبة استعراض القوّة بما يخدم المسار التفاوضي، ليغدو بيئةً عملياتيّة متكاملة، آخذةً في الترسّخ على نحوٍ يصعب التراجع عنه، وقابلةً للتفعيل في أي لحظة.

أمّا السرديّات، فقد بنيت على نحوٍ يجعل الانكفاء مكلفًا داخليًّا وخارجيًّا، ناهيك بما فهِم على أنه إنذار أخير وجهه دونالد ترامب لإيران، مطالبًا إيّاها بالرضوخ للشروط الأميركيّة غير المقبولة خلال 10–15 يومًا.

من هنا لا تكمن الخطورة في كونِ الحربِ باتت حتميّةً، بل في تشييدِ شروطها تدريجيًّا؛ إذ تضيق هوامش التراجعِ السياسيّ، ويغدو أيّ حادثٍ—ولو كان محدودًا—قابلًا لتحويل التصعيد إلى اشتباكٍ مفتوح.

لم تتخلّ الولايات المتحدة الأميركيّة وربيبتها الكيان الغاصب عن هدفِ إسقاط الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران؛ غير أنه، بعد فشل المحاولات الأخيرة لزعزعة منظومة الحكم من الداخل، وخلقِ قيادةٍ بديلةٍ قابلةٍ للحياة وقادرة على السيطرة على مفاصل الدولة، عاد الحديث عن استراتيجيّة إضعاف منظومة الحكم عبر تقويض عقد مفصليّة في السلطة.

ويفترض هذا النهج أن إحداث شللٍ في منظومة الدولة يمكن تحقيقه بضرب القيادة، وبنيةِ القيادة والسيطرة، فضلًا عن البرامجِ الاستراتيجيّة، في آنٍ واحد، غير أن المعضلة تكمن في أن خبرة إيران التاريخية تشير إلى العكس؛ إذ إنّ ضغطًا خارجيًّا من هذا النوع كان دومًا يؤدّي إلى تعزيز التماسك الداخلي لا تفكيكه، ولا سيما حين ينظر إليه بوصفِه هجومًا وجوديًّا.

وهنا يبرز تناقضٌ استراتيجيّ: فواشنطن والكيان يتصرّفان كأنّهما قد حسما خيارهما نحو «التصعيدِ المحكوم»، بينما ترى طهران أنّ الحرب ستفرض عليها بمعزلٍ عمّا قدّمته من إشاراتٍ لضبطِ النفس. وفي بيئةٍ كهذه من الفرضيّاتِ المتقابلة، يغدو التحشيد الحربيّ بحدّ ذاته سببًا إضافيًّا للانزلاقِ إلى مواجهةٍ عسكريّة.

دور الكيان في أيّ حربٍ محتملة
لا مجال للحديث عن عدوانٍ أميركي محتملٍ على إيران من دون انخراطٍ واسعٍ لسلاحِ الجو الصهيوني، غير أن الجديد ما تشير إليه أرقام متاحةٌ علنًا بشأن تجهيزِ أسطول قتالي صهيوني كبيرٍ للعمل، يتكوّن من نحو 66 طائرةً من طراز F-15 (بما فيها منصّات الضربِ البعيدة المدى من طراز F-15I)، ونحو 173 مقاتلةً من طراز F-16، ونحو 48 طائرة شبحٍ من طراز F-35I في الخدمة، مع المزيد قيد الطلب. وعمليًّا، لن يزجّ بجميع الطائرات دفعةً واحدة؛ لكن بنية هذا الأسطول تتيح تنفيذ موجاتٍ متتاليةٍ تعطى فيها الأولوية لمنصّات الشبح للاختراقِ العميق وضربِ الدفاعات الجوية، فيما تتحمّل F-15 وF-16 العبء الأكبر من الضربات التقليدية وأدوار الإسناد.

ودلالة هذا التحشيد استراتيجيًّا أنّ نيّة العدو لا تقتصر على غارةٍ ليليّة خاطفة، بل تتّجه إلى نمط غارات متتابعة قد تمتد لأيام عدّة.

وتشير وضعيّة الكيانِ الدفاعيّة بدورها إلى الاستعداد لجولة قتاليّة طويلة؛ إذ إنّ شبكة الدفاعِ الصاروخي متعدّدة الطبقات—منظومة «السهم»، و«القبّة الحديديّة»، و«مقلاع داوود»، فضلًا عن منظومة THAAD الأميركيّة—مصمّمةٌ لاعتراضِ الصواريخِ الباليستيّة وصواريخِ كروز والمحلِّقات على ارتفاعاتٍ مختلفة. وهذه البنية مهيّأةٌ كذلك لمواجهةِ سيناريو «الإغراق/الإشباع»، حيث تصبح جبهة الكيان الداخليّة، إلى جانبِ الأصول الأميركيّة في الإقليم، جزءًا من بنكِ الأهداف.

أمّا سياسيًّا، فيتقاطع لدى نتنياهو في الحربِ على إيران منطقان: سياسي واستراتيجي. فالحرب ركيزة في تصوره لتحقيقِ أطماعِ الكيانِ في الإقليم ورسم مستقبلِه، وهي في الوقتِ نفسه ضمانةٌ لبقائهِ السياسيّ. ومن هذا المنظور، يبدو عدم استثمار ذروةِ الانحياز الأميركي وحالة السيولة في البيئة الإقليمية «فرصةً ضائعة» يصعب تعويضها لاحقًا.

الانتشار الأميركي العملياتي في المنطقة
لقد عزّزت الولايات المتحدة وجودها الحربي في الإقليم عبر انتشارٍ جوي وبحري واستخباري ودفاعٍ صاروخي على نطاق واسع، بما ينتج بنية عسكريّة هجوميّة قادرة على إدار عمليات عالية الوتيرة ولمدّةٍ زمنيةٍ طويلة، لا على مجرّد رفعِ منسوبِ الضغطِ السياسيّ أو توجيهِ رسائلِ ردعٍ قابلةٍ للاحتواء.

جويًّا، يتمركز ما لا يقلّ عن 30 طائرةً من طراز F-35A في مسرحِ العمليات إلى جانب 24 طائرةً من طراز F-15E، مع تحرّك 36 طائرة F-16 إضافيّة نحو المنطقة. وقد عزِّزت قدرات الحربِ الإلكترونيّة بستِّ طائرات EA-18G Growler، فضلًا عن 12 طائرة A-10. وإلى ذلك، تعمل نحو 12 طائرة F-16 إضافيّة من قاعدتي الأمير سلطان والظفرة، مدعومةً بثلاث طائرات اتصالاتٍ من طراز E-11A. كما يجري نشر 12 طائرة شبحٍ من طراز F-22، بما يعزّز مكوّن التفوّقِ الجويّ ويفتح حيّزًا أوسع لعملياتِ الاختراقِ العميق.

بالتوازي، تتوسّع أصول الاستخباراتِ والقيادةِ والسيطرة، فقد توجّهت طائرات استطلاعٍ من طراز U-2 نحو المنطقة، وأعيد تموضع منصّةِ الرصد والاستخبارات RC-135، ولا تزال طائرة الرصدِ النوويّ WC-135 منتشرة. وتستعدّ طائرات E-3 AWACS لإعادةِ الانتشار بما يعزّز القيادة الجويّة وإدارة المعركة، فيما يرفد هذا الحضور لوجستيًّا انتشار 22 طائرة تزوّدٍ بالوقود عبر عدّة محاور إقليميّة، وهو عنصرٌ حاسمٌ لتحويلِ الكثافةِ الجويّة من «وجودٍ» إلى «قدرةٍ عملياتيّة».

أمّا بحريًّا، فتتحرّك مجموعة حاملةِ الطائرات USS Gerald R. Ford نحو المشرق العربي، بينما تعمل مجموعة USS Abraham Lincoln في بحر العرب. وقد تموضع عددٌ من مدمرات Arleigh Burke في مضيق هرمز والخليج والبحر الأحمر والبحر المتوسّط، وتدعمها الغوّاصة USS Georgia من فئة Ohio (المسلّحة بصواريخ موجّهة) والقادرة على إطلاقِ أعدادٍ كبيرةٍ من صواريخِ كروز، بما يضيف إلى بنكِ الضرباتِ خيارًا منخفض البصمة، عالي الاستمراريّة، وسريع التفعيل.

ينتج هذا الانتشار، في محصّلته، بنيةً مركّبةً تجمع بين قدرةِ ضربٍ شبحية، وحربٍ إلكترونيّة، وقيادةٍ جويّة وإدارةِ معركة، وعمقِ تزوّدٍ بالوقود، وحمايةِ قواعد عسكريّة، وقوّةٍ جويّةٍ محمولةٍ على حاملاتِ الطائرات، وقدرةِ ضربٍ صاروخيٍّ من الغوّاصات، وإسنادٍ لوجستيٍّ واسع. وهذه بنيةٌ تتّسق مع التحضيرِ لعمليّاتٍ عاليةِ الوتيرة ولمدّةٍ طويلة، لا مع استعراضِ قوّةٍ عابرٍ أو ردعٍ سهلِ التراجعِ عنه حين تتبدّل الكلفة السياسيّة.

مع ذلك، كان لافتًا تركيز الولايات المتحدة إعلاميًّا على حاملاتِ الطائرات على نحوٍ خاص. ولعلّ مردّ ذلك أنّها مسرح عملياتٍ ظاهرٌ للعيان، ذو هيمنةٍ رمزيّة، وسهل التوظيف في الدعايةِ السياسيّة؛ سواءٌ أكان ذلك لتغذيةِ التصعيدِ الخطابيّ وإنتاجِ «صورةِ القوّة»، أم لتهيئةِ إمكانيّةِ سحبها لاحقًا بوصفه «إشارة خفضِ توتّر» قابلةً للتسويق. والحال أنّ حاملاتِ الطائرات، من الناحيةِ العسكريّة الصِرفة، لا تعدّ عنصرًا حاسمًا في أيّ عدوانٍ شاملٍ يستهدف—كما يعلن العدوّ—إضعاف إيران على المستويات العسكريّة والمدنيّة والعلميّة في آن واحد.

ذلك أنّ البنية البريّة الثابتة—من قواعد جويّة، وعقدٍ لوجستيّة، وممرّاتِ تزوّدٍ بالوقود، ومراكز استخباريّة، ومنصّاتِ استطلاع، وعقدِ دفاعٍ صاروخيٍّ منتشرةٍ في كاملِ غربِ آسيا—تبقى هي البنية الفعليّة الصالحة لخوضِ حربٍ من هذا النوع، وهي تتجسّد، عمليًّا، في قاعدةِ العديد في قطر، والظفرة في الإمارات، وقاعدةِ الأمير سلطان في السعوديّة متى فعِّلت بقرارٍ سياسي، وقاعدةِ حرير في أربيل، إلى جانب المطاراتِ الأردنيّة، والمواقعِ الأميركيّة في شرقِ سوريا، ومواقعِ الرصد الاستخباري في أذربيجان. وهذه، لا حاملات الطائرات، هي «العصب العملياتيّ» الذي تقوم عليه القدرة على شنّ ضرباتٍ ممتدّة زمنيًّا، وإدارة المعركةِ جوًّا، وتغذية بنكِ الأهدافِ استخباريًّا، وتأمين استمراريّةِ الطلعاتِ عبر التزوّدِ بالوقود وحمايةِ القواعد.

لكنّ معضلة العدوّ تكمن في أنّ هذه البنية الثابتة تقع في مرمى الصواريخِ الإيرانيّة، وتشكّل أهدافًا أوضح وأيسر إصابةً إذا ما قورنت بحاملاتِ الطائرات؛ فالأخيرة، على أهميّتها الرمزيّة والعملياتيّة، تبقى منصّاتٍ متحرّكةً تدار بمنطقِ المناورةِ والإخفاء النسبيّ، بينما تكشف القواعد والعقد البرّية نفسها—بحكم ثباتها ووظائفها—بوصفها نقاط ارتكازٍ لا يمكن للحرب واسعة النطاق أن تستغني عنها أو تستبدلها بمشهدٍ إعلاميّ عائم على سطح البحر.

الدفاع الصاروخي
أمّا على صعيد منظومات الدفاع الصاروخي، فقد باتت جزءًا بنيويًّا من أيّ معادلة حربٍ محتملةٍ مقبلة. وقد نشر الأميركي منظوماتِ «باتريوت» وTHAAD، وراداراتِ إنذارٍ مبكّر، وشبكاتِ قيادةٍ واعتراضٍ مشتركة. ويراهن العدوّ على أن تمتصّ هذه المنظومات ردّ الفعلِ الإيرانيّة الأولى وتقلّص آثارها، بما يسمح له بالحفاظ على وتيرةِ العمليات واستمراريتها، غير أنّ هذه المقاربة تطرح تساؤلًا حاسمًا عن إمكانيّة الاستمرار في الاعتراض تحت نيرانٍ كثيفةٍ ومتواصلة.

فالمسألة لا تتعلّق بقدرةٍ أوليّةٍ على الاعتراض بقدر ما تتعلّق بقدرةٍ تراكميّةٍ على الصمود أمام موجاتٍ متعاقبةٍ من الصواريخِ والمحلِّقات، وبالقدرة على إدارة الإيقاع بين «الإغراق/الإشباع» والذخائرِ الاعتراضيّة المحدودة. ويزداد هذا السؤال حدّةً حين يضاف إليه عامل الصواريخِ الفرطِ صوتيّة، بما تتيحه من سرعاتٍ عالية وقدراتٍ أكبر على المناورة وتقليصِ زمنِ الإنذار، الأمر الذي يضغط على منظوماتِ الرصدِ واتّخاذ القرار وعلى هندسةِ الاعتراض نفسها.

ثمّ إنّ معادلة الدفاعِ الصاروخي لا تختبر في السماء فحسب، بل في المخزون أيضاً، فما الذي يمكن للعدوّ فعله حين تستنزف مخزونات بطّارياتِ الدفاع الصاروخي، وحين تتحوّل «الحماية» إلى عبءٍ لوجستيٍّ وماليٍّ وسياسيٍّ متصاعد؟ وما الذي ستفعله الدول المضيفة حين ترتفع كلفة الاستضافة العسكريّة، وتغدو قواعد الاعتراض—بحكم وظيفتها—أهدافًا مباشرةً، بما يحوّل أراضيها، بالضرورة، إلى ساحةِ حربٍ لا إلى منصّةِ إسنادٍ خلفيّة؟

من هنا، فإنّ إيران لا تحتاج إلى إصابةِ حاملاتِ الطائرات كي تحدث أثرًا سياسيًّا؛ يكفي أن تدفع منظومة الاعتراض إلى حدّ الاستنزاف، وأن تنقل كلفة المواجهة إلى شبكاتِ الحماية نفسها، وإلى الجغرافيا التي تحتضنها، فحين تصبح «المظلّة» موضع اختبارٍ يوميٍّ تحت كثافةِ النيران، يتحوّل الدفاع الصاروخي من عنصرِ طمأنةٍ إلى عاملِ ضغطٍ على الحلفاء، ويغدو سؤال الاستمرار—لا سؤال الضربة الأولى—هو مركز الحسابات.

دروس حرب الاثني عشر يومًا وتحولات العقيدة الدفاعية الإيرانية
لقد استخلصت طهران من مجرياتِ حربِ الإثني عشر يومًا درسًا حاسمًا مفاده أنّ قابليّة البقاء تسبق الردع، فحين تعجز منظومات الصواريخ والقيادةِ والسيطرةِ والاتصالات، ومعها الجبهة الداخليّة، عن الصمودِ أمام الصدمةِ الأولى، يغدو الحديث عن ردٍّ فعّالٍ ضربًا من البلاغة لا من القدرة.

وقد انعكس هذا الدرس تحوّلًا عملياتيًّا في صلبِ العقيدةِ الدفاعيّة الإيرانيّة ذاتها، إذ اتّجهت طهران إلى «دفن» القوّةِ الصاروخيّة ومنصّاتِ الإطلاق في عمقِ الأرض، بما يقلّص قابليّتها للاستهداف في الضربةِ الافتتاحيّة ويزيد قدرتها على الاستمرار. وبالموازاة، جرى إعادة تعريف وظيفةِ الدفاعِ الجويّ من «منعِ الاختراق»—وهو هدفٌ صعب المنال وعالي الكلفة في الحروب الحديثة—إلى «تقليلِ الأضرار» وإدارةِ الخسائر، أي إلى دورٍ واقعيٍّ يراكم فرص البقاء بدل أن يعِد بحصانةٍ غير قابلة للتحقّق.

وفي السياق نفسه، برزت أولوية تحصينِ الاتصالات وتقليلِ الاعتماد على البنى والتكنولوجيا الغربيّة، تحسّبًا لاحتمال تعطيلها في لحظةِ الاشتباك، سواء عبر الحربِ الإلكترونيّة أو الحربِ السيبرانيّة أو إجراءاتِ الحظر والتحكّم في سلاسلِ الإمداد. فالمعركة لا تحسم فقط بما تملكه الدولة من منصّاتِ إطلاق، بل بقدرتها على الحفاظ على «العصب» الذي يدير تلك المنصّات من اتّصالات، وتماسك القيادة، واستمراريّة القرار تحت الضغط.

بل إنّ الجبهة الداخليّة نفسها أدرجت بوصفها جزءًا من الردع، إذ بات الاقتصاد والطاقة والأمن الداخليّ، فضلًا عن المناعةِ أمام الحربِ النفسيّة والسيبرانيّة، عناصر ضمن العقيدةِ الدفاعيّة الإيرانيّة؛ لأنّ شلل المجتمع قد يسبق شلل الجبهةِ العسكريّة، ولأنّ الخصم يراهن—بقدر ما يراهن على تعطيلِ القدرةِ الصاروخيّة—على إنهاكِ البيئةِ الحاضنة وتفكيكِ القدرةِ على الاحتمال. ومن هنا يصبح «الردع» أقلّ ارتباطًا بلحظةِ إطلاقِ الصواريخ، وأكثر ارتباطًا بقدرةِ الدولة على البقاءِ قابلةً للقتال، وعلى تحويلِ الصدمةِ الأولى إلى مجرّد مرحلةٍ ضمن حربِ استنزافٍ طويلة.

خاتمة

تختلف المواجهة الراهنة عن الأزمات السابقة في أن الحشد العسكري الأميركي بات حشدًا هجوميًّا يتجاوز مشهد استعراضِ القوة، وفي أن الحدود بين الفعلِ العسكري والاستعراضِ السياسي والسردية العامة قد تلاشت إلى حد كبير، فالحشد الأميركي الحالي حقيقي، وحديث الجمهوريّة الإسلامية عن ردٍّ قاسٍ وشاملٍ حقيقيٌّ كذلك.

وفي بيئةٍ كهذه، لا يقتصر الخطر على نيّة حرب مبيّتة، بل يتمثّل أيضًا في حلقة تصعيد تتغذّى من الانتشارِ العسكريّ الواسع، فتتحوّل أدوات الردعِ إلى «ألغامٍ سياسيّة» قابلةٍ للانفجار في أيّ لحظة؛ إمّا بفعلِ حادثٍ محدودٍ يتضخّم سريعًا، أو بسوءِ تقديرٍ ميدانيّ يشعل مسرح المواجهة من حيث لم يرِد أحد—على الأقل في الخطاب.

إنّ تفعيل القواعدِ الجويّة، وتأمين ممرّاتِ التزوّدِ بالوقود، وتوسيع عملياتِ الاستطلاع وجمعِ المعلوماتِ الاستخباريّة، وتجهيز أنظمةِ الاعتراضِ متعدّدةِ الطبقات، وتوفير الإسنادِ اللوجستيّ، كلّ ذلك يشير إلى أنّ مسرح العمليات يحضّر لمرحلةٍ ثانيةٍ تقترب من «عتبةِ اللّاعودة»، فهذه ليست مجرّد ترتيباتٍ احترازيّةٍ يمكن تفكيكها بسرعة، بل هندسة عمليّاتيّة تراكم الالتزامات وتضيّق هامش التراجع مع كلّ خطوةٍ إضافيّة.

أمّا طهران، فهي لا تتحضّر للحرب لأنّها تريدها، بل لأنّها باتت تعتقد أنّ الحرب ستفرض عليها بمعزلٍ عمّا قدّمته من إشاراتِ ضبطِ النفس. وفي ظلّ هذا التصادمِ في الفرضيّات—حيث يرى طرفٌ أنّ التصعيد «محكوم»، ويرى الآخر أنّه «مفروض»—يغدو الاستعداد نفسه عنصرًا منتجًا للمواجهة، لا مجرّد إجراءٍ وقائيٍّ لتفاديها.

في مثل هذه البيئة، لا تكفي التحذيرات الدبلوماسيّة وحدها لكبح الزخم. فكل انتشار ميداني، وكل تصريحٍ سياسي يتحوّل إلى جزءٍ من حلقة ارتدادٍ متقلّبة، تسرِّع وتيرة الانزلاق بدل أن تمسك بإيقاعه. لقد بات الإقليم في خطرٍ، لا لأنّ القادة اتّخذوا قرار الحربِ صراحةً، بل لأنّ هندسة الحرب تبنى أسرع ممّا تستطيع القنوات السياسيّة ضبطه أو احتواءه—ولأنّ المسافة بين «المسرح الاستراتيجيّ» والواقع الميداني باتت تتقلّص بصورة مطردة.

 

اخبار ذات صلة