غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

بالصور بين الركام وصوت الأذان المسجد العمري الكبير يعود للصلاة

المسجد العمري الكبير
شمس نيوز - نضال أبو شربي

في قلب مدينة غزة القديمة، حيث تتعانق الحجارة العتيقة مع ذاكرة القرون، كان المسجد العمري الكبير أكثر من مجرد مسجد، كان شاهدًا على تعاقب الحضارات، وملاذًا لآلاف المصلين الذين وجدوا فيه سكينة الروح وطمأنينة القلب.

وعندما دوّت أصوات القصف، لم يسقط بناءٌ حجري فحسب، بل اهتزّت صفحةٌ من التاريخ الإسلامي في فلسطين، غير أن الركام لم يستطع إسكات الأذان، ولا منع السجود، فهنا، حيث يُهدم الحجر، ينهض الإيمان.

أولًا: المسجد تاريخيًا… منارة العلم والعبادة

ويُعد المسجد العمري الكبير أقدم وأكبر مسجد في قطاع غزة، ويُعتقد أنه بُني قبل أكثر من 1400 عام في العصر الإسلامي المبكر.

يقع في البلدة القديمة قرب السوق الشعبي، وكان يستوعب آلاف المصلين، ويُصنّف كثالث أكبر مسجد في فلسطين بعد المسجد الأقصى في القدس ومسجد أحمد باشا الجزار في عكا.

لُقّب أحيانًا بـ “المسجد الأقصى الصغير” لاتساع مساحته ومكانته الروحية، وازداد الإقبال عليه في شهر رمضان، خاصة في صلاة التراويح التي كانت تملأ أروقته وساحاته بالمصلين.

وكان المسجد يحتضن مكتبة تاريخية تضم آلاف الكتب والمخطوطات، تمثل إرثًا دينيًا وثقافيًا عريقًا، كما شكّل مركزًا علميًا واجتماعيًا بارزًا في حياة الغزيين.

 

ثانيًا: الحرب والدمار حين سقطت الجدران

وخلال الحرب بين عامي 2023–2024، تعرّض المسجد لقصف جوي أدى إلى تدمير ما يقارب 80–85% من مساحته، بما في ذلك أجزاء كبيرة من الحرم والمئذنة التاريخية.

وتحوّلت أروقته إلى أنقاض، وسقطت جدرانه التي صمدت لقرون، فيما دُمرت مكتبته بالكامل، وضاعت آلاف الكتب والمخطوطات تحت الركام.

والمشهد بعد القصف كان صادمًا؛ أعمدة حجرية مكسورة، أقواس منهارة، وساحة يغمرها الغبار بدل المصلين.

 

ثالثًا: العودة إلى الصلاة والإيمان فوق الركام

وبعد أشهر من الدمار، بدأ المواطنون بإزالة الركام من أجزاء من الساحة الشمالية التي لم تُدمّر بالكامل، ولم ينتظر المصلين إعادة إعمار المسجد بالكامل، بل أعادوا الحياة بالصلاة.

وفي أواخر عام 2025، أمَّ آلاف المصلين صلاة الجمعة الأولى في المسجد بعد تدميره، ووقفوا في المساحة المتبقية، وأقيمت الصلاة وسط الأنقاض في مشهدٍ امتزجت فيه الدموع بالتكبير.

وفي رمضان الذي تلا الحرب، أُقيمت صلاة التراويح في الساحة المفتوحة، تحت السماء، وبين حجارةٍ شاهدة على القصف، إذ لم تكن هناك قباب مكتملة ولا جدران تحيط بالمكان، لكن الصفوف كانت مكتملة، والقلوب أكثر تماسكًا من الحجر.

ومن جهته قال أبو خليل (70 عامًا – من سكان البلدة القديمة) قبل الحرب “كنتُ أصلي في المسجد العمري منذ طفولتي، كنت أشعر أنني أصلي داخل التاريخ نفسه، وفي رمضان كانت الساحات تمتلئ حتى الشوارع المحيطة".

أما بعد الدمار "حين رأيته ركامًا، شعرت أن جزءًا مني انهار، لكن يوم عدنا للصلاة، شعرت أن المسجد عاد حيًا ليس بالحجارة، بل بالناس".

بينما قال محمد (طالب جامعي) قبل الحرب “كنت أدرس في مكتبته أحيانًا، وكانت مليئة بالمراجع الدينية والتاريخية، ولكن بعد الحرب فقدنا المكتبة، ولكن لم نفقد روح المكان، الصلاة بين الركام كانت رسالة أننا باقون".

فلم يكن المسجد العمري وحده من طالته الأضرار؛ فقد دُمرت أو تضررت عشرات المساجد في غزة. لكن المشهد المتكرر كان واحدًا.

ويتفق المصلّون على أن العودة إلى المسجد العمري لم تكن مجرد أداء صلاة، بل كانت فعلًا رمزيًا عميقًا، فالصلاة بين الركام لم تكن تعويضًا عن الماضي، بل إعلانًا أن الحياة الدينية في غزة أقوى من الدمار وفي كل سجدة فوق الحجارة المكسورة، كانت هناك رسالة صامتة: "الإيمان لا يُقصف والمساجد تُبنى بالقلوب قبل أن تُبنى بالحجارة".