في غزة، حيث تختلط رائحة البارود بذكريات البيوت، تقف السيدة حنان المدهون (41 عامًا)، أمام ركام منزلها لا لتبكي ما فقدته فحسب، بل لتستعيد حلمًا بدأته قبل أحد عشر عامًا، إذ كانت سيدة ناجحة في بيتها ومشروعها، تصنع الفرح من الكرتون والخشب والقماش، وتحول تفاصيل رمضان إلى مدينة نابضة بالحياة، لكن الحرب لم تترك لها بيتًا ولا مشروعًا، بل أخذت منها سندها ورفيق دربها، ومع ذلك لم تسلب منها إرادتها.
قبل الحرب، كانت حياة حنان تشبه حياة أي سيدة ناجحة في بيتها وعملها، فبدأت بفكرة بسيطة حين صنعت لبناتها فوانيس من الكرتون والفوم، وعرضت الصور على "فيسبوك"، لتتفاجأ بالإقبال الواسع، وهو ما دفعها لإطلاق فكرة "المدينة الرمضانية" التي ضمت مجسمات لمسحراتي وبائع السوس وقطايف وكنافة ومدفع رمضان، إلى جانب الرسم على الزجاج والمطرزات وصناعة الوسائل التعليمية.
خلال الحرب على غزة، انقلبت حياة حنان رأسًا على عقب، فالقصف لم يدمر منزلها فقط، بل محا سنوات طويلة من التعب والعمل، وفقدت أدواتها وموادها ومصدر دخلها، لتجد نفسها فجأة بلا مأوى، ونتيجة الحرب اضطرت للنزوح إلى الجنوب كغيرها من آلاف العائلات، وعاشت ظروفًا قاسية داخل أماكن النزوح، حيث افتقدت أبسط مقومات الحياة، لكن الخسارة الأكبر كانت فقدان زوجها، لتصبح المسؤولة الوحيدة عن أبنائها الثلاثة.
عنقاء من جديد..!
بعد العودة، لم تجد بيتًا تعود إليه، ولا مشروعًا لتستأنفه، فواجهت صعوبة في توفير الاحتياجات الأساسية لأطفالها، من طعام ولباس وتعليم، في ظل غياب المعيل، ومع ذلك، بدأت من جديد بإمكانات محدودة، اقتصرت على الرسم على الزجاج والكاسات والمطرزات، كخطوة أولى لإعادة بناء مشروعها.
إيمانها العميق بالله أصبح مصدر قوتها، إذ تحاول أن تكون لأطفالها الأم والأب معًا، وتخفف عنهم غياب والدهم، خاصة صغيرها الذي لا يزال يسأل عنه. تقول: "قوتي بستمدها من إيماني، الحمد لله على كل حال." ورغم الظروف، تؤمن أن رمضان يبقى شهرًا عظيمًا يستحق الاحتفاء، وأن الحزن لا يمنع الفرح.
خليكي قوية!
حنان توجه رسالة لكل امرأة فقدت زوجها: "خليكي قوية وسند لأولادك، انتي قدوتهم بكل شي. الله يعينك ويعينني." أما لزوجها الشهيد فتقول: "لو موجود بقله افتقدك بكل شي وكل لحظة بحياتي. ينقصني انت لأكون أنا."
قصة حنان ليست مجرد حكاية فوانيس وزينة رمضانية، بل حكاية امرأة رفضت أن تنطفئ مع انطفاء بيتها، وأبت أن ينكسر نورها رغم الفقد. بين ركام منزلها ودموع أطفالها، تحاول أن تصنع من الألم بداية جديدة، ومن الحزن طاقة للبقاء. في غزة، حيث تُختبر القلوب كل يوم، تثبت حنان أن الأم حين تؤمن، يمكنها أن تكون وطنًا كاملًا لأطفالها حتى لو سقط البيت.
