إن كثافة الأحداث التي تشهدها الساحة الدولية وتسارعها بوتيرة غير مسبوقة تجعل من الصعب التنبؤ بموعد انتهاء الحرب على إيران أو تداعياتها، لا سيما أنها تحمل مؤشرات قوية على تفكك النظام العالمي القديم وبدء تشكّل نظام عالمي جديد، تحرص إسرائيل على لعب دور رئيسي في صياغته. كما أن تصريحات رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب تكشف أن الهدف هو الإطاحة بالنظام الإيراني وهو ما يعني تجاوز سياسة ليّ الذراع إلى تبنّي سياسة كسرها وكسر الرقبة معًا.
ورغم ضبابية المشهد وتسارع الأحداث، فإن هناك عدة عوامل قد يكون لها دور حاسم في تحديد مدة الحرب وانعكاساتها على المستويين الإقليمي والدولي، من أبرزها:
أولًا: قدرة إيران على استيعاب مزيد من الضربات، مهما بلغت حدتها وكثافتها، وفي المقابل قدرتها على الاستمرار في الرد عبر قصف قواعد أمريكية والعمق الإسرائيلي، باعتباره نقطة ضعف رئيسية يصعب على إسرائيل تجاهل تداعياتها أو تحمّلها.
ثانيًا: نجاح إيران في إطالة أمد الحرب وتحويلها من حرب خاطفة وحاسمة وفق الرؤية الأمريكية الإسرائيلية؛ إلى حرب استنزاف تمتد لفترة أطول من تقديرات الأجهزة الأمنية.
ثالثًا: حجم الخسائر البشرية في صفوف القوات الأمريكية سيكون له دور حاسم في تحديد مدة الحرب، نظرًا لما قد يترتب عليه من تصاعد الانتقادات والضغوط الداخلية على ترامب، الذي قد يجد نفسه مضطرًا للبحث عن مخرج آمن لإنهاء الحرب سريعًا لتفادي مزيد من الخسائر، وفق معادلة الربح والخسارة.
رابعًا: تحوّل الحرب إلى حرب استنزاف سيثقل الأعباء الأمنية والاقتصادية على المجتمع الإسرائيلي، المنهك أصلًا من تداعيات الحرب على غزة لأكثر من عامين، ما قد يؤثر سلبًا على قدرته على تحمّل استمرار المواجهة، وينقل المزاج العام من حالة النشوة الأولية إلى حالة النقمة على نتنياهو، خاصة إذا ترسخ الاعتقاد بأن الحرب تخدم مصالحه الشخصية والسياسية.
خامسًا: تصاعد الضغوط الدولية إذا ما شعرت القوى الكبرى بأن نيران الحرب بدأت تقترب من مصالحها الاقتصادية والأمنية، وقد تتزايد هذه الضغوط مع خروج مظاهرات في الشارع الأوروبي تطالب بإنهاء الحرب.
سابعًا: فشل محاولات نتنياهو إقناع دول عربية وأوروبية بالمشاركة الفعلية وإيقاعها في شرك الحرب، بهدف تخفيف أعبائها عن إسرائيل أو توزيع مسؤولية الفشل في حال عدم تحقيق الأهداف المعلنة.
ثامنًا: عدم نجاح الجهود السرية الرامية إلى تحفيز الشارع الإيراني على الخروج في مظاهرات واسعة ضد النظام باعتبارها الوسيلة الأكثر فعالية لتحقيق حلم نتنياهو لاستبدال النظام الإيراني بما ينسجم مع طموحاته السياسية.
تاسعًا: مشاركة أطراف محسوبة على محور إيران، مثل جماعة الحوثيون، إذ إن دخولها على خط المواجهة سيعقّد الحسابات الأمريكية الإسرائيلية، ويزيد من الأعباء العسكرية والأمنية وسيزيد من كلفة الحرب.
عاشرًا: مستوى مخزون صواريخ الاعتراض لدى الجيشين الأمريكي والإسرائيلي، إذ إن تراجع هذا المخزون – في ظل استنزافه خلال الحرب الأولى على إيران والحرب الأوكرانية – قد يؤثر في تحديد مدة الحرب، خاصة مع تطور القدرات الصاروخية الإيرانية وبدء استخدام الصواريخ الانشطارية التي تتطلب استخدام عدد أكبر من صواريخ الاعتراض.
الخلاصة:
نهاية الحرب لن تُحسم فقط في الميدان، بل في قدرة كل طرف على تحمّل الكلفة السياسية والاقتصادية والنفسية والاجتماعية
