بقلم: شريف الهركلي
عندما يرحل الرجال الذين عاشوا للكلمة، لا يرحل اسمهم فقط، بل يرحل زمن كامل من الصدق. برحيل الكاتب والصحفي المناضل هشام ساق الله (أبو شفيق)، تبدو فلسطين كأنها تودع أحد أبنائها الذين حملوا الهم الوطني كما يحمل القلب نبضه الأخير.
ولد الراحل في زمن كانت فيه الحكاية الفلسطينية تبحث عن صوت يحميها من الضياع بين الصخب السياسي ووجع الواقع. تخرج في الجامعة الإسلامية في غزة، حيث لم يكن التعليم عنده طريقًا لشهادة، بل طريقًا لصناعة إنسان قادر على الدفاع عن فكرة الوطن بالكلمة والوعي. ومن هناك بدأ مشواره مع العمل الشبابي، فكان من أوائل كوادر الشبيبة الفتحاوية في قطاع غزة، حارسًا لنبض الجيل الذي حلم بوطن أكثر عدلًا وكرامة.
في مدونته “مشاغبات هشام ساق الله” لم يكن يكتب مقالات فحسب، بل كان يفتح جبهات فكرية ضد الصمت. دقّ أبواب الحقيقة بجرأة، وانتقد مظاهر الترهل التنظيمي، وحذّر من الانقسام الذي كان يراه الخطر الأكبر على روح المشروع الوطني. لم يكن معارضًا للفكرة التي ينتمي إليها، بل كان مقاتلًا من أجل بقائها نقية من التشتت.
كتب عن الشهداء كأنهم لا يغادرون الذاكرة، خاصة شهداء الانتفاضتين، مؤمنًا أن الدم الذي يسقط في الأرض يصبح كلمة في كتاب التاريخ، وأن الرواية الفلسطينية تحتاج إلى حراس لا إلى متفرجين.
كان من أصحاب الهمم الذين تحدّوا الألم بصمت الكبار. جلس على كرسيه المتحرك حاملاً قلمه كمن يحمل راية، يجول بكلمته بين أبناء الحركة من الجنوب إلى الشمال، مجاملًا الناس بعكازة الوفاء، ومؤمنًا أن قيمة الإنسان فيما يتركه لا فيما يملكه.
المأساة الكبرى أن بعض الأقلام لا تكتشف جمال أصحابها إلا بعد الرحيل، فتبدأ حفلات الحب المتأخر فوق القبور. أما أبو شفيق فقد عاش محبًا قبل أن يُرثى، صادقًا قبل أن يُمدح، ومؤمنًا بأن الوطن أكبر من الخلافات الصغيرة.
اختلف معه البعض، واتفق معه آخرون، لكنه بقي رجلاً يحترم حتى خصومه، واضح الرؤية، ثابت الموقف، ومؤمنًا بأن الصحافة ليست مجرد مهنة، بل مسؤولية أخلاقية تجاه الناس والتاريخ.
رحل هشام ساق الله نظيف السيرة، تاركًا خلفه كلمة حرة وضميرًا لا يساوم، ليبقى اسمه شاهدًا على أن الرجال الحقيقيين لا يموتون، بل يتحولون إلى معنى يعيش بعدهم.
نم قرير العين يا أبا شفيق…
ففلسطين التي أحببتها ستظل تكتب اسمك في ذاكرة أبنائها،
والكلمة التي زرعتها ستبقى تمشي على أرضها كأنها لا تموت.
رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جناته.
