في ظل التصعيد الإقليمي المتسارع، عاد الحديث بقوة عن احتمال إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي يشكّل شريانًا رئيسيًا لتدفق الطاقة من الخليج إلى الأسواق الدولية.
يقع المضيق بين إيران وسلطنة عُمان، ويربط الخليج العربي بخليج عُمان والمحيط الهندي، ولا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه 33 كيلومترًا، ما يجعله نقطة اختناق بحرية شديدة الحساسية لأي توتر عسكري أو أمني.
تُظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن نحو 20 إلى 21 مليون برميل نفط يوميًا تمر عبر المضيق، أي ما يعادل قرابة 20 إلى 25 في المئة من تجارة النفط المنقولة بحرًا في العالم، إضافة إلى مرور ما يقارب 19 إلى 20 في المئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، معظمها صادرات قطر.
وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 80 في المئة من هذه الإمدادات تتجه إلى الأسواق الآسيوية، وعلى رأسها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة عبر المضيق ذا أثر مباشر على اقتصادات هذه الدول وعلى السوق العالمية للطاقة عمومًا.
ويحمل سيناريو الإغلاق، سواء كان كاملًا أو جزئيًا، تداعيات اقتصادية فورية، إذ يتوقع خبراء الطاقة أن يؤدي توقف مرور الناقلات إلى قفزات حادة في أسعار النفط خلال أيام قليلة.
ففي حالات التوتر السابقة، ارتفع سعر خام برنت بعشرات الدولارات خلال فترات قصيرة نتيجة المخاوف من نقص الإمدادات، ويقدّر محللون أن أي إغلاق يمتد لأكثر من أسبوع قد يحرم السوق العالمية من عدة ملايين من البراميل يوميًا، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار الوقود والكهرباء والنقل والسلع الأساسية المرتبطة بكلفة الشحن.
ولا تقتصر الآثار على أسواق الطاقة فحسب، بل تمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية، إذ يعتمد جزء كبير من النقل البحري للمواد الخام والسلع الاستراتيجية على استقرار الملاحة في الخليج ومحيطه ، ويؤدي ارتفاع مخاطر العبور إلى زيادة أقساط التأمين على السفن، وإلى تغيير مسارات الشحن نحو طرق أطول وأكثر كلفة، ما يضيف أعباء مالية إضافية على الشركات والدول المستوردة للطاقة والغذاء معًا ، وفي ظل هذا الواقع، تُعد الدول ذات الدخل المحدود الأكثر هشاشة أمام مثل هذه الصدمات، بسبب اعتمادها الكبير على الاستيراد وضعف قدرتها على امتصاص ارتفاع الأسعار.
أما على الصعيد الإقليمي، فإن دول الخليج ستكون في مقدمة المتضررين من أي إغلاق فعلي، إذ تعتمد صادراتها النفطية بشكل شبه كامل على هذا الممر، رغم وجود خطوط أنابيب بديلة محدودة لا تكفي لتعويض كامل الكميات المصدّرة.
ويعني ذلك خسائر بمليارات الدولارات يوميًا في حال توقف الصادرات أو تراجعها بشكل حاد، فضلًا عن التأثير في موازنات هذه الدول واستقرار أسواقها المالية.
وفي المقابل، فإن دولًا أخرى في المنطقة مثل الأردن ولبنان ومصر ستتأثر بصورة غير مباشرة عبر ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الاستيراد، ما يفاقم الضغوط الاقتصادية القائمة أصلًا.
سياسيًا وأمنيًا، يُنظر إلى أي محاولة لإغلاق المضيق على أنها تصعيد استراتيجي كبير قد يستدعي تدخلًا دوليًا مباشرًا، إذ تعتبر حرية الملاحة في الممرات الدولية مبدأ أساسيًا في القانون الدولي، وتحرص الولايات المتحدة ودول غربية أخرى على إبقاء وجود بحري دائم في المنطقة لضمان استمرار حركة السفن.
وفي هذا السياق، يرى محللون أن الإغلاق الشامل والدائم يبقى خيارًا عالي الكلفة حتى على الجهة التي قد تلجأ إليه، لأنه يعرّضها لعزلة دولية ولردود فعل عسكرية واقتصادية قاسية، ما يجعل سيناريو الإغلاق الجزئي أو المؤقت أكثر ترجيحًا في حال التصعيد.
ويشير مختصون في شؤون الطاقة إلى أن حساسية المضيق لا تكمن فقط في حجمه الجغرافي الضيق، بل في كونه حلقة مركزية في منظومة الاقتصاد العالمي المعتمد على النفط والغاز، فأي اضطراب في هذه النقطة لا يبقى محصورًا في الخليج أو الشرق الأوسط، بل ينتقل أثره بسرعة إلى أوروبا وآسيا والأمريكيتين عبر ارتفاع أسعار الطاقة وتذبذب الأسواق المالية وتراجع النمو الاقتصادي في بعض الدول.
في المحصلة، يمثل مضيق هرمز نقطة توازن دقيقة بين الجغرافيا والسياسة والاقتصاد، ويجعل الحديث عن إغلاقه يتجاوز كونه شأنًا إقليميًا إلى كونه قضية دولية بامتياز، ومع استمرار التوترات في المنطقة، يبقى هذا الممر البحري الصغير في مساحته، الكبير في تأثيره، أحد أبرز العوامل القادرة على إشعال أزمة اقتصادية عالمية خلال وقت قصير، ما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار دائم في كيفية احتواء النزاعات وضمان أمن الطاقة واستقرار الملاحة الدولية.