قائمة الموقع

غزة 2026.. الكابوس الذي صمت ولم ينتهِ

2026-03-05T20:43:00+02:00
غزة
شمس نيوز - نور عرفة

مع بدايات عام 2026، تبدو غزة وكأنها غادرت واجهة الاهتمام العالمي، لا لأن الحرب انتهت، بل لأن صوتها خفت، فتراجع القصف وغياب التغطية الإعلامية المكثفة لا يعكسان تحسناً في الواقع، بل يكشفان انتقال المعاناة من مشاهد الدمار الصاخبة إلى حياة يومية صامتة، عنوانها الجوع والمرض وانتظار المجهول.

وتحولت الحياة في القطاع إلى معركة بقاء مفتوحة، فمصادر الخطر لم تعد محصورة بالقذائف والغارات، بل اتخذت أشكالاً أخرى لا تقل فتكاً، مثل تفشي الأمراض الناتجة عن تلوث المياه وانهيار شبكات الصرف الصحي، إلى جانب النقص الحاد في الغذاء والدواء، وفي ظل هذا الواقع، تتراجع قدرة السكان على الصمود جسدياً ونفسياً يوماً بعد يوم.

تقول أم محمد (42 عاماً)، وهي أم لخمسة أطفال تقيم قرب أنقاض منزلها المدمر: "نقضي ساعات طويلة نبحث عن ماء صالح للشرب، في السابق كنا نخاف من القصف، أما الآن فنخاف أن يمرض أولادنا أو يناموا جائعين، لا يوجد عمل ولا دخل، وكل حياتنا صارت مرتبطة بالمساعدات، وإن لم تصل ننتظر الغد".

المشهد العمراني يعكس حجم الكارثة، أحياء كاملة تحولت إلى مساحات من الركام، وتعيش آلاف العائلات فوق أنقاض منازلها أو في أماكن تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة. الكهرباء شبه غائبة، والمياه النظيفة نادرة، والحصول على الطعام أصبح تحدياً يومياً.

 

يقول أحمد (27 عاماً)، الذي فقد منزله خلال الحرب: "لم نعد نفكر في المستقبل، كل يوم نفكر فقط كيف نمرره بسلام، أبحث عن أي عمل، ولو لساعات، لأشتري خبزاً لأهلي، الحرب لم تنتهِ، لكنها صارت بلا صوت".

في المراكز الصحية القليلة التي ما تزال تعمل، تتكدس الحالات المرضية الناتجة عن سوء التغذية وتلوث المياه، ويوضح أحد الأطباء العاملين في مركز طبي شمال القطاع: "معظم الحالات التي نستقبلها اليوم ليست إصابات حرب مباشرة، بل أمراض معوية، التهابات حادة، وسوء تغذية لدى الأطفال، المشكلة أننا نفتقر إلى الأدوية والمستلزمات الأساسية، ونضطر لعلاج المرضى بإمكانات محدودة جداً".

أما الأطفال، فقد نشأ جيل كامل في ظل الخوف والحرمان، عشرات المدارس خرجت عن الخدمة، وتحولت مساحات اللعب إلى أنقاض، يقول الطفل يوسف (10 أعوام)، وهو يجلس قرب منزل عائلته المدمر: "كنت أحب ألعب كرة القدم أمام بيتنا، الآن ألعب بين الحجارة، نفسي أرجع على المدرسة زي باقي الأطفال".

في هذا الواقع، يسود شعور عام بفقدان الأفق، يمكن وصفه بحالة “الانتظار القاتل"، انتظار مساعدات قد تصل أو لا تصل، وانتظار نهاية حرب لم يُعلن عن انتهائها فعلياً، وانتظار حياة طبيعية باتت حلماً بعيد المنال، هذا الانتظار الطويل خلق حالة من الإحباط الجماعي، ورسّخ شعوراً بالعجز أمام واقع يتكرر بلا حلول جذرية.

والأخطر في المشهد أن المأساة باتت مألوفة في الوعي العالمي، فمع مرور الوقت، تحولت صور الدمار والمعاناة في غزة إلى مشهد اعتيادي لا يثير ردود فعل واسعة كما في السابق، هذا الاعتياد منح غطاءً لاستمرار الأزمة دون ضغط دولي حقيقي، في وقت تتآكل فيه فرص الحل السياسي والإنساني معاً.

ويكشف واقع غزة اليوم أن الصمت لا يعني السلام، بل قد يكون وجهاً آخر للحرب، فحين تتراجع الأصوات العالية، تبقى المعاناة حاضرة بأشكال أكثر قسوة وهدوء: "الجوع، والمرض، واليأس، كلها أدوات قتل بطيئة لا تقل خطورة عن القصف".

اخبار ذات صلة