قائمة الموقع

"كسرة خبز يابس وماء ملوث".. شهادات أسرى محررين عن رمضان داخل السجون الإسرائيلية

2026-03-07T13:48:00+02:00
صورة معالجة ب AI
شمس نيوز - نضال أبو شربي

حين يهلّ شهر رمضان، تمتلئ البيوت بالأضواء، وتتعالى أصوات الأذان، وتلتف العائلات حول موائد الإفطار. غير أن المشهد يبدو مختلفًا تمامًا خلف أسوار السجون الإسرائيلية، حيث يعيش آلاف الأسرى الفلسطينيين رمضان بطقوس قاسية بعيدة عن دفء العائلة وأجواء الشهر الفضيل.

هناك، لا تجتمع العائلات ولا تُسمع ضحكات الأطفال، بل يقضي الأسرى أيامهم بين الجدران الباردة والقيود الثقيلة. ومع ذلك، لا يفقد رمضان معناه لديهم، بل يتحول إلى موسم للصبر والثبات؛ يصنع فيه الأسرى من القليل مائدة إفطار، ومن الزنزانة محرابًا للصلاة، ومن الألم قوةً تعزز إرادتهم في مواجهة السجن.

وفي كل يوم من أيام الشهر الكريم، يكتب الأسرى حكاية جديدة من الصمود، مؤكدين أن روح الإنسان قادرة على تجاوز القيود مهما اشتدت قسوتها.

تجربة اعتقال قاسية

من بين هذه التجارب، يروي الأسير المحرر نضال سمير سالم سمير تفاصيل معاناته خلال الاعتقال، بعد أن اعتقلته قوات الاحتلال من داخل مستشفى الشفاء في 18 مارس/آذار 2024، قبل أن يُنقل بين عدة مراكز اعتقال، من بينها معتقل سديه تيمان وسجن عوفر العسكري وسجن النقب الصحراوي.

ويقول سمير :"كانت تجربة قاسية جدًا، لكنها كشفت أيضًا عن قوة كبيرة داخل الإنسان عندما يُوضع في ظروف صعبة".

"معتقل الجحيم"

يصف سمير معتقل سديه تيمان بأنه من أقسى أماكن الاعتقال، ويقول: "كان الأسرى يطلقون عليه اسم معتقل الجحيم. في رمضان كان الإفطار عبارة عن ثلاث قطع من الخبز اليابس وقليل من الماء، وهي كمية لا تكفي لسد الجوع. أما خلال التحقيق فكان الطعام أقل من ذلك؛ أحيانًا خبزة صغيرة كل 24 ساعة فقط".

ويضيف: "كان الجنود يرمون قطعة خبز صغيرة من خلف الأسلاك الشائكة، وكنا ننتظرها لنلتقطها حتى نسد شيئًا من الجوع الذي ينهش بطوننا. حتى الماء كانوا يقطعونه عنا أحيانًا لساعات طويلة، في مشهد يعكس قمة الإذلال والقهر".

رمضان في سجن عوفر

أما في سجن عوفر، فيقول سمير إن رمضان يتحول إلى اختبار قاسٍ للصبر والإيمان.

ويضيف: "كنا نستيقظ قبل الفجر بقليل لتناول السحور، وغالبًا ما يكون بسيطًا جدًا؛ قطعة خبز يابسة وقليل من الطعام الذي لا يكفي لسد الجوع. ثم يبدأ يوم طويل من الصيام داخل غرف ضيقة، مع تعب الجوع والعطش".

ويتابع: "كنا ننتظر لحظة الإفطار كثيرًا، لكن الطعام كان قليلًا وأحيانًا بجودة سيئة، ومع ذلك كنا نحاول أن نتقاسم القليل بيننا بمحبة لنصنع جوًا من الأخوة داخل الغرفة".

اقتحامات قبل الإفطار

ويروي سمير حادثة مؤلمة عاشها خلال رمضان داخل السجن، قائلاً: "في إحدى المرات كنا نجهز أنفسنا للإفطار ببعض الخبز اليابس وقليل من المربى، لكن قبل موعد الإفطار بقليل اقتحم القسم نحو عشرين جنديًا. قاموا بسحب الطعام من داخل الغرفة وضربونا، ثم عصبوا أعيننا وقيدوا أيدينا، وبقينا في ذلك اليوم بدون فطور".

الجوع وسوء التغذية

ويشير إلى أن الجوع كان من أقسى ما يواجهه الأسرى خلال رمضان.

ويقول: "كنا نجمع الخبز أحيانًا ليومين حتى نشبع قليلًا. كثير من الأسرى أصيبوا بسوء تغذية، وأصبحت أجسادنا هزيلة. تخيل أن يكون وزنك 80 كيلوغرامًا، ثم يصبح خلال أقل من شهر نحو 40 كيلوغرامًا".

اشتياق للأهل

الأسير المحرر طارق السويطي بدوره يصف رمضان داخل السجن بأنه مزيج من مشاعر متناقضة.

ويقول: "كنا نستقبل رمضان بمشاعر مختلطة؛ فرحة بقدوم الشهر الفضيل، وحزن لأننا بعيدون عن عائلاتنا. كنا نحاول أن نصنع أجواء رمضانية بسيطة داخل الغرف فنهنئ بعضنا البعض".

ويضيف: "الطعام كان بسيطًا جدًا وغالبًا لا يكفي. لذلك كنا نجمع ما يتوفر لدينا ونقسمه بين الأسرى حتى نخفف الجوع".

ويرى السويطي أن العبادة كانت متنفسًا مهمًا للأسرى، قائلاً: "كنا نقضي الوقت بالصلاة وقراءة القرآن والحديث مع بعضنا البعض، وهذا كان يمنحنا قوة نفسية ويخفف من قسوة السجن".

ويتابع: "الاشتياق للأهل هو الأصعب. كنا نتخيل لحظات الإفطار مع العائلة وصوت الأذان في المساجد، وكان هذا الشعور مؤلمًا جدًا، لكنه كان يمنحنا الأمل بأن يأتي يوم نعود فيه إلى بيوتنا".

الصبر في وجه القهر

من جانبه، يقول الأسير المحرر أحمد محمود الذي اعتُقل عام 2023 إن رمضان في السجن يختلف تمامًا عن خارجه.

ويضيف: "بدل أن يكون شهر عبادة وراحة مع العائلة، يتحول إلى اختبار قاسٍ للصبر. كنا نصوم ساعات طويلة في ظروف صعبة مع نقص الطعام والماء واشتياق كبير للأهل".

ويتابع: "أحيانًا يكون الإفطار مجرد قطع من الخبز اليابس وقليل من الطعام. كنا نحاول أن نتقاسم ما لدينا بين الأسرى حتى نخفف عن بعضنا".

ويؤكد: "أصعب اللحظات كانت الجوع الشديد مع القمع الذي كنا نتعرض له أحيانًا، حيث كان الجنود يقتحمون الأقسام قبل الإفطار أو يمنعون الطعام".

تضامن خلف القضبان

ورغم قسوة الظروف، يحاول الأسرى الحفاظ على روح رمضان داخل الزنازين، حيث تتحول لحظة الإفطار إلى مشهد من التضامن والتكافل، يجتمع فيه الأسرى حول مائدة واحدة يتقاسمون ما توفر لديهم من طعام.

كما يقضي كثير منهم ساعات النهار بين الصلاة وقراءة القرآن وتبادل الأحاديث، إلى جانب تنظيم حلقات دينية وثقافية داخل الأقسام، في محاولة لخلق أجواء روحانية تخفف من قسوة الاعتقال.

لكن هذه الأجواء لا تخلو من التحديات، إذ يواجه الأسرى إجراءات تضييق متكررة، مثل الاقتحامات المفاجئة والتفتيشات وتقليص كميات الطعام أو تأخير الوجبات.

أمل بالحرية

ورغم الجوع والحرمان والقمع، يجمع الأسرى على أن روح التضامن بينهم تساعدهم على تجاوز الكثير من المعاناة.

وتبقى تجربة الأسرى الفلسطينيين خلال شهر رمضان شاهدة على معاناة إنسانية كبيرة، لكنها في الوقت نفسه تعكس قوة الصمود والإيمان لدى الأسرى الذين يواجهون قسوة السجن بالأمل والصبر.

وكما يقول الأسير المحرر نضال سمير في ختام حديثه: "رمضان في السجن يعلّم الإنسان معنى الصبر الحقيقي. كنا نصوم ليس فقط عن الطعام والشراب، بل عن الحرية التي حُرمنا منها. لكننا كنا نؤمن دائمًا أن الليل مهما طال لا بد أن يطلع بعده فجر الحرية".

اخبار ذات صلة